
بقلم – رضا هلال
مما يؤسف له أن المصريين ينقسمون، قبيل الماراثون الرمضاني، الذي يدق ابوابنا حاليا، إلى فريقين في الاستعداد، وكأن الشهر الفضيل بات اختبارًا للعادة لا للعبادة، وللاستهلاك لا للتزكية.
الفريق الأول يستعد بالمسلسلات وبرامج الإلهاء والسهرات الطويلة؛ تلك التي تُبدّد الوقت وتُضيّع بركة الشهر قبل أن يهلّ هلاله. شاشات تُفتح منذ المغرب، وأعين لا تُغمض إلا على أذان الفجر، في مشهدٍ يتكرّر كل عام، حتى صار اللهو طقسًا رمضانيًا، والانشغال عن المقاصد أمرًا معتادًا.
وفي هذا السياق، يحضرني مقولة الدكتور أحمد خالد توفيق، حين لفت إلى مفارقة لافتة، مفادها أن صُنّاع الدراما يعملون طوال العام على إنتاج مسلسلات وبرامج وأفلام، ثم يكدّسونها في ثلاثين يومًا، ويتنافسون بكل قوتهم لملء شهر رمضان، ذلك الشهر الذي وصفه الله تعالى بقوله:﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
ولا يخفى أن شياطين الإنس – أعوان إبليس – ينشطون في هذا الشهر لتعويض غياب زعيمهم، فيُشغلون الناس عن المقاصد، ويحوّلون العبادة إلى لهو، والخشوع إلى عادة، والذكر إلى خلفية باهتة لضجيج الشاشات.
أما الفريق الثاني، فينشغل بالمزيد من التفنّن في إعداد موائد الطعام، وأطباق الحلويات، والعصائر والمشروبات باختلاف أنواعها ونكهاتها، حتى يغدو رمضان موسمًا للمعدة أكثر منه موسمًا للروح، وتتحوّل موائد الإفطار إلى غاية، بعد أن كانت وسيلة لشكر النعمة وصلة الرحم.

وبين هؤلاء وهؤلاء، تقف قِلّةٌ قليلة، أصحاب الصوت الخافت، الذين لا يكاد يُسمع لهم حسّ، ولا يظهرون في المشهد العام. وإذا ما حاولوا التنبيه أو خرجوا إلى العلن، قوبلوا بالسخرية أو الاستهزاء، وكأن الاستعداد الحقيقي لرمضان ترفٌ زائد أو تشدّد غير مطلوب.
هؤلاء هم الذين يُعدّون أنفسهم للشهر الفضيل إعدادًا حقيقيًا؛ إعدادًا روحيًا، وعقديًا، وقلبيًا. تراهم قد استقبلوا شعبان بالصيام، والصدقة، والمحافظة على قراءة القرآن الكريم، تهيئةً للنفس، وإعدادًا للروح، وتعويدًا للجسد على استقبال النور الإلهي في رمضان.
وهؤلاء – لا غيرهم – هم الأجدر بتقدّم الصفوف، وبأن يدلّوا الأمة على طريق النجاة، للوصول إلى أعظم مقاصد رمضان: التقوى، التي هي جماع الخير كلّه، كما قال الله تعالى:﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وليعلم من يُهوِّن من الأمر، أو يستخفّ بخطورة اختزال رمضان في الشاشات والموائد، أن الخسارة هنا ليست وقتًا ضائعًا ولا أموالًا مُهدَرة فحسب، بل خسارة مغفرةٍ ونفحةٍ إلهية قد لا تتكرر.
رمضان ليس موسم مسلسلات، ولا فاصلًا إعلانيًا بين وجبة وأخرى، ولا ليالي صاخبة تُغطّي على الفراغ الروحي. إنه موسم إنقاذ، من أدركه فاز، ومن فرّط فيه خسر.
وقد حذّر النبي ﷺ تحذيرًا صريحًا حين قال:
«خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يُغفر له».
فالخطة واضحة، والتحذير قائم، والفرصة قائمة كذلك. فإما رمضان يُزكّينا ويرفعنا، وإما رمضان يشهد علينا، وحينها… لا ينفع الندم.
[email protected]




