في تطور لافت يعكس تصاعد حدة المواجهة بين القضاء البرازيلي والرئيس السابق جايير بولسونارو، وجّه أحد أبرز قضاة المحكمة العليا في البرازيل، القاضي ألكسندر دي مورايس، تحذيرًا شديد اللهجة لبولسونارو، محذرًا من احتمال إصدار أمر قضائي فوري بسجنه، على خلفية ما وصفه بخرق مباشر لحظر قضائي يمنعه من الإدلاء بتصريحات علنية أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
ويخضع الرئيس اليميني المتشدد، الذي قاد البلاد بين عامي 2019 و2022، لتحقيق قضائي موسع بشأن محاولات انقلابية فاشلة وقعت في أعقاب الانتخابات الرئاسية التي خسرها أمام منافسه الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في عام 2022. وتتضمن الإجراءات المفروضة عليه ارتداء سوار إلكتروني لمراقبة تحركاته، إلى جانب قيود مشددة تحظر عليه التواصل مع جهات معينة أو إصدار بيانات عامة، وفقًا لما ذكرته وكالة “برازيليا”.
خرق صريح للقيود القضائية
الشرارة الأخيرة في هذه الأزمة اندلعت بعد تصريحات أدلى بها بولسونارو للصحفيين من داخل مبنى البرلمان، حيث تم بث تلك التصريحات بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك “إكس” (تويتر سابقًا)، إنستغرام وفيسبوك. القاضي دي مورايس، المعروف بحزمه في قضايا الأمن والسيادة الدستورية، اعتبر تلك التصريحات بمثابة “خرق صريح” لأوامر المحكمة.
وأوضح القاضي أن ما فعله بولسونارو لم يكن مجرد مقابلة عفوية، بل “كلمة أُعدت مسبقًا للنشر والترويج الرقمي”، مشيرًا إلى أن حتى لو لم ينشر الرئيس السابق تلك المقاطع بنفسه، فإن تداولها الواسع من قبل أبنائه ومقربين منه، إضافة إلى وسائل إعلام مؤيدة، يندرج تحت بند الانتهاك المباشر لشروط المحكمة.
وفي تحذير قضائي رسمي، شدد دي مورايس على أن أي محاولة لتوزيع أو إعادة نشر كلمات بولسونارو – سواء من خلال حساباته الشخصية أو عبر وسطاء – تُعد جريمة يعاقب عليها القانون، وقد تؤدي إلى اعتقاله بشكل فوري دون الحاجة إلى إجراءات إضافية.
رمزية السوار الإلكتروني و”قانون الله”
في مشهد مثير للجدل، ظهر بولسونارو أمام الكاميرات مستعرضًا السوار الإلكتروني المثبت في كاحله الأيسر، واصفًا إياه بـ”رمز أقصى درجات الإذلال”، معتبرًا أن ما يتعرض له “اضطهاد سياسي بغطاء قانوني”. وأكد الرئيس السابق: “أنا أؤمن بقانون الله، لا قانون البشر”، في تحدٍ واضح للمنظومة القضائية التي طالما شكك في نزاهتها منذ انتهاء ولايته.
هذا التصريح أثار استياء القاضي دي مورايس، الذي رأى فيه محاولة واضحة لتقويض شرعية المحكمة العليا أمام الرأي العام، كما أثار موجة من الانتقادات داخل الأوساط السياسية البرازيلية، حيث اعتبر عدد من النواب والسيناتورات من حزب بولسونارو “الحزب الليبرالي” أن ما يحدث يمثل “تضييقًا على الحريات” و”استهدافًا سياسيًا ممنهجًا”.
توتر دبلوماسي بين واشنطن وبرازيليا
الأزمة لم تبقَ حبيسة الداخل البرازيلي، بل امتدت إلى ساحة العلاقات الدولية، خصوصًا مع الولايات المتحدة. فقد دخل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على خط الأزمة بإعلانه فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 50% على الصادرات البرازيلية، بداية من أغسطس المقبل، متهمًا حكومة لولا دا سيلفا بشن “حملة اضطهاد ممنهجة” ضد حليفه السياسي بولسونارو.
هذه الخطوة أثارت ردود فعل غاضبة في البرازيل، حيث وصف الرئيس لولا تصريحات ترامب بأنها “ابتزاز سياسي غير مقبول”، مؤكدًا أن القضاء البرازيلي يعمل باستقلالية تامة بعيدًا عن الضغوط الداخلية أو الخارجية.
في المقابل، ردت الإدارة الأمريكية على ما وصفته بمحاولات “التأثير السياسي الخارجي” من قبل بولسونارو وأنصاره، بإلغاء تأشيرات دخول عدد من القضاة البرازيليين المشاركين في التحقيق، من بينهم القاضي دي مورايس نفسه، في خطوة وُصفت بأنها غير معتادة بين بلدين تربطهما علاقات استراتيجية طويلة الأمد.
محاولات للتأثير على الرأي العام الأمريكي
بحسب تصريحات القاضي دي مورايس، فإن بولسونارو ونجله إدواردو، الذي انتقل مؤخرًا إلى الولايات المتحدة، يعملان على شن حملة إعلامية موجهة للرأي العام الأمريكي في محاولة لتسييس القضية وتدويلها، وهو ما اعتبره “محاولة خطيرة للتدخل في مجريات العدالة البرازيلية”.
ويرى مراقبون أن بولسونارو يسعى من خلال هذه التحركات الخارجية إلى تأمين دعم سياسي قد يمنحه حصانة إعلامية أو حتى لجوءًا دبلوماسيًا في حال تطور الإجراءات القضائية ضده إلى قرارات بالحبس الفعلي، خصوصًا مع اتساع رقعة الغضب الشعبي من عودة الخطاب اليميني المتشدد إلى الواجهة.
أزمة متصاعدة دون حلول في الأفق
وسط كل هذه التطورات، يبدو أن الأزمة البرازيلية مرشحة لمزيد من التعقيد، في ظل تمسك القضاء بمسار المحاسبة القانونية، وإصرار بولسونارو وأنصاره على تصوير ما يجري على أنه “انقلاب ناعم” ضد إرادة الشعب، بحسب تعبيراتهم.
وبينما يترقب الشارع البرازيلي ما ستؤول إليه المواجهة القضائية – السياسية، تزداد الضغوط الدولية وتتشابك المصالح الاقتصادية، مما ينذر بأن القضية قد تتحول إلى أزمة إقليمية ودولية مفتوحة، قد تعيد تشكيل العلاقة بين البرازيل وبعض حلفائها، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول حدود استقلال القضاء أمام العواصف السياسية.




