
دينا زكريا
في ظل سعي الدولة المصرية إلى تنظيم منظومة البناء وضبط المخالفات التي تهدد سلامة المواطنين وتشوه العمران، جاء قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 ليضع أطرًا واضحة تضمن الالتزام بالقواعد الفنية والمعمارية، ويمنح صلاحيات حاسمة للجهات الرقابية لضمان تنفيذ القانون على أرض الواقع.
ومن أبرز المواد التي عالجت هذا الجانب، المادة 113، التي منحت اختصاصات مهمة لفئات بعينها من العاملين في مجال التفتيش الفني والتخطيط والتنظيم، حيث أكدت على أن للعاملين بجهاز التفتيش الفني على أعمال البناء صفة مأموري الضبط القضائي، وهي الصفة التي تتيح لهم مباشرة مهام الضبط والرصد القانوني لأي مخالفات تتم في مجال البناء، بما يكفل ضبط التجاوزات واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة في حينها.
وحرصًا على ضمان تنفيذ هذه المهام بموجب القانون، اشترطت المادة أن يتم تحديد هؤلاء العاملين بقرار يصدر من وزير العدل، وذلك بالاتفاق مع الوزير المختص بالإسكان، في إطار من التنسيق المشترك بين الجهات التشريعية والتنفيذية لضمان ممارسة الصلاحيات الرقابية بما يتماشى مع قواعد العدالة وتطبيق القانون.
صلاحيات موسعة داخل الوحدات المحلية
لم تقتصر الصلاحيات على العاملين بجهاز التفتيش الفني فقط، بل امتدت لتشمل أيضًا المهندسين العاملين بالإدارات المختصة بشئون التخطيط والتنظيم داخل الوحدات المحلية، بشرط أن يتم تحديدهم رسميًا من قبل وزير العدل، بالتعاون مع المحافظ المختص بكل محافظة.
ويكتسب هؤلاء المهندسون بدورهم صفة الضبطية القضائية، ولكن في نطاق دوائر اختصاصهم المكاني فقط، وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بالجرائم والمخالفات التي تقع بالمخالفة لأحكام قانون البناء، وهو ما يعزز قدرة الجهات المحلية على التصدي الفوري لأي انحراف في أعمال البناء أو تجاوزات في شروط الترخيص.
وتخول المادة لهؤلاء العاملين حق دخول مواقع الأعمال بشكل مباشر دون الحاجة إلى إذن مسبق، وذلك لإثبات ما يقع من مخالفات، ورصد أي إخلال بشروط التراخيص المعمارية أو اشتراطات البناء أو قواعد السلامة.
مسؤوليات رقابية دقيقة على الأرض
تُلزم المادة المذكورة الأشخاص الذين يتمتعون بصفة مأموري الضبط القضائي بعدد من المهام الدقيقة، تبدأ من تنبيه المشرفين على تنفيذ الأعمال والمرخص لهم بكتاب رسمي إلى أي خلل أو إخلال يتم رصده خلال التنفيذ، بما يضع المسؤولية المباشرة على عاتق المنفذين للالتزام بالمعايير الفنية والهندسية.
كما يقع على عاتق هؤلاء المراقبين متابعة تنفيذ الاشتراطات التخطيطية والبنائية، والتأكد من مطابقة الأعمال المنفذة للرسومات الهندسية والمواصفات الفنية المعتمدة، إلى جانب تطبيق قواعد الوقاية من الحريق ومراعاة كافة معايير السلامة.
وفي حال رُصدت أية مخالفات، فإن القانون يمنح هؤلاء العاملين الحق في اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة، كما هو منصوص عليه في القانون ولائحته التنفيذية، لضمان وقف المخالفة أو تصحيحها أو إحالة الأمر للجهات المختصة لاتخاذ ما يلزم.
تنفيذ الأحكام ورفع المعوقات
جانب آخر بالغ الأهمية تناولته المادة، يتمثل في متابعة تنفيذ القرارات والأحكام النهائية التي تصدر بشأن الأعمال المخالفة، بما يشمل الإزالة أو التصحيح أو الغرامات، وغيرها من الإجراءات القضائية التي تصدر عن المحاكم أو الجهات المعنية.
وفي حالة وجود عقبات تحول دون تنفيذ هذه القرارات، فإن المادة تلزم العاملين برفع الأمر إلى رئيس الوحدة المحلية المختصة، مع ضرورة الالتزام بالقواعد والإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية، بما يضمن عدم إهمال أي مخالفة وعدم توقف الإجراءات عند العقبة الأولى.
الضبطية القضائية في خدمة السلامة العامة
تأتي هذه الصلاحيات الممنوحة ضمن منظومة أشمل تستهدف إعادة الانضباط إلى قطاع البناء، الذي عانى في فترات سابقة من عشوائية وتراكم مخالفات باتت تشكل خطرًا مباشرًا على الأرواح والممتلكات. وبمنح صفة الضبط القضائي لهذه الفئات الفنية، يرسخ القانون لمبدأ “الرقابة من الميدان”، بحيث لا يُترك أمر تنفيذ القانون رهنًا بالتقارير المكتبية أو الشكاوى الورقية، بل يذهب المهندسون والمفتشون إلى المواقع بأنفسهم، ويباشرون مهامهم بصورة عملية وفورية.
كما أن إشراك وزارة العدل والمحافظين في إصدار قرارات تعيين من يتمتعون بهذه الصلاحيات يضمن وجود غربلة واختيار دقيق للعناصر المؤهلة، ممن يملكون الكفاءة والخبرة والأمانة للاضطلاع بمهام الرقابة وضبط المخالفات.
في النهاية، تمثل المادة 113 من قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 ركيزة أساسية في منظومة تطبيق القانون على الأرض، حيث تمزج بين الضبط الفني والهندسي والسلطة القضائية، وتمنح العاملين في الميدان أدوات قانونية واضحة لضبط المخالفات واتخاذ الإجراءات الحاسمة ضدها.
إنها دعوة صريحة لتفعيل القانون، وتأكيد على أن البناء لا يكون شرعيًا إلا إذا التزم بالقواعد والضوابط، وأن الرقابة لا تعني فقط المتابعة، بل أيضًا القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه فورًا حمايةً للأرواح والممتلكات، وصونًا للحق العام في بيئة عمرانية سليمة.




