وسط أجواء من السحر الخالص والجمال الأخّاذ، تستقبل مقابر وادي الملوك والملكات بغرب محافظة الأقصر يوميًا آلاف السائحين من مختلف بقاع العالم، ممن جاءوا ليستحضروا عظمة التاريخ الفرعوني العريق، ويتأملوا النقوش والألوان التي لا تزال نابضة بالحياة رغم مرور آلاف السنين، محفورة في باطن الجبل الذي احتضن رفات أعظم ملوك وملكات التاريخ المصري القديم.
في قلب الجبل الغربي الشامخ بمنطقة القرنة، تنفتح بوابات الزمن أمام الزوار، ليجدوا أنفسهم بين أروقة تحمل أسرار الفراعنة وحكمتهم وفنونهم، حيث تمتد هذه المقابر في عمق الصخر وكأنها تحاكي رحلة الخلود التي آمن بها المصري القديم. ومع اقتراب نهاية الموسم السياحي الشتوي في أبريل الجاري، تشهد هذه المنطقة التاريخية إقبالًا متزايدًا، مدفوعًا بالدهشة والرغبة في سبر أغوار حضارة ازدهرت منذ آلاف السنين، ولا تزال تبهر العالم حتى اليوم.
رحلة الدفن استمرت خمسة قرون
الطيب عبد الله حسن، أحد المرشدين السياحيين المخضرمين في الأقصر، يروي تفاصيل مذهلة عن وادي الملوك والملكات، مشيرًا إلى أن القدماء المصريين استغرقوا أكثر من 500 عام لدفن ملوكهم وملكاتهم في تلك المقابر التي تتوزع في جوف جبل القرنة. ويرجع تاريخ استخدام هذه المنطقة كمقبرة ملكية إلى عصر الدولة الحديثة، بدءًا من الأسرة الثامنة عشرة وحتى نهاية الأسرة العشرين، أي في الفترة ما بين عام 1550 قبل الميلاد وحتى عام 1069 قبل الميلاد تقريبًا.
ويؤكد الطيب أن السياح الذين يتوافدون على هذه المقابر يوميًا ينتمون إلى جنسيات متنوعة، من بينها الهولندية، الأمريكية، البرازيلية، الإسبانية، البلجيكية، الأرجنتينية، الصربية، الصينية، الرومانية، الفرنسية، والإيطالية، بالإضافة إلى العديد من الزوار العرب، خاصة من العراق والإمارات. هذه الجنسيات تجتمع في مكان واحد لتأمل روعة النقوش التي لا تزال تحتفظ بألوانها، وعظمة الهندسة التي صممت بها تلك المقابر في عمق الجبل وكأنها معابد خفية للحياة الأخرى.
واديان.. ومقابر تتحدث
ينقسم وادي الملوك إلى قسمين رئيسيين: الوادي الشرقي وهو الأشهر لاحتوائه على معظم المقابر الملكية المعروفة، مثل مقبرة توت عنخ آمون ورمسيس السادس، ووادي غربي أقل شهرة ويحتوي على عدد محدود من المقابر. ويبلغ عدد المقابر المكتشفة في الواديين حتى الآن أكثر من 60 مقبرة، بالإضافة إلى حوالي 20 مقبرة غير مكتملة، كانت عبارة عن محاولات لم تُستكمل أو تُستخدم لاحقًا لأغراض أخرى.
ولم يكن اختيار هذا المكان العميق في صحراء الأقصر اعتباطيًا، بل جاء بدافع من معتقدات المصريين القدماء، الذين ربطوا الغرب بالموت، إذ كانوا يؤمنون أن إله الشمس “رع” يموت كل مساء في الأفق الغربي ليولد من جديد مع شروق الشمس في الشرق، ولذلك وقع الاختيار على الضفة الغربية من نهر النيل لبناء المدافن والمعابد الجنائزية.
خطة ترميم شاملة تستعد لاستقبال المستقبل
ورغم قدم هذه المقابر، إلا أن العمل لم يتوقف داخلها، حيث تُجري وزارة السياحة والآثار المصرية، عبر المجلس الأعلى للآثار، أعمال ترميم دقيقة تهدف إلى صيانة هذه الكنوز الأثرية وتأهيلها لاستيعاب الزيادة المتوقعة في عدد الزائرين خلال المواسم السياحية القادمة.
وفي إطار تلك الجهود، يجرى حاليًا ترميم مقبرة الملك رمسيس التاسع، أحد أبرز ملوك الأسرة العشرين، وذلك في إطار مشروع ترميم واسع يشمل كافة المقابر بالبر الغربي، بما في ذلك مقابر وادي الملوك والملكات، ومقابر دير المدينة ومنطقة الأشراف.
وكان وزير السياحة والآثار قد شدد خلال زيارته الأخيرة للمنطقة على ضرورة الإسراع في استكمال أعمال الترميم وفتح المقابر المغلقة أمام السياح، في ضوء تنامي الاهتمام العالمي بالمقاصد السياحية الثقافية والتاريخية المصرية.
مستقبل مشرق لحضارة لا تموت
مع كل خطوة داخل تلك الممرات الحجرية، يشعر الزائر وكأنه انتقل عبر الزمن، ليحضر لحظة وداع ملكي، أو يستمع إلى ترانيم الحياة الأبدية التي آمن بها المصري القديم. فمقابر وادي الملوك والملكات ليست فقط مجرد شواهد أثرية، بل هي سردٌ حيّ لحضارة عاشت وتألقت، وها هي تروي قصصها كل يوم لزوار يأتون من كل مكان على وجه الأرض.
وفي ظل ما تشهده الأقصر من تطوير في البنية التحتية، وتحسين في الخدمات السياحية، يبدو المستقبل واعدًا لمدينة الشمس الخالدة، التي تأبى أن تذبل مهما مرّ عليها الزمن.



















