شهد الاقتصاد المصري خلال الفترة من مارس 2024 وحتى مارس 2025 تحولات كبيرة، جاءت انعكاسًا مباشرًا لحزمة الإصلاحات النقدية والهيكلية التي أطلقها البنك المركزي المصري. فقد مثل قرار تحرير سعر صرف الجنيه المصري والسماح له بالتداول وفقًا لآليات السوق نقطة تحول محورية في مسار السياسة النقدية، وهو ما ساهم في تعزيز تدفقات النقد الأجنبي وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي بشكل ملحوظ.
تحرير سعر الصرف واستعادة التوازن
في مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري عن خطوات إصلاحية جريئة، كان أبرزها تحرير سعر صرف الجنيه، ليحدد وفقًا للعرض والطلب. هذا القرار أسهم في زيادة المعروض من العملات الأجنبية، وجذب تدفقات استثمارية جديدة، كما رفع ثقة المستثمرين في السوق المصري.
ومع مرور الأشهر الأولى على تطبيق القرار، بدأت مؤشرات الاقتصاد الكلي في التعافي التدريجي، خاصة بعد تراجع معدلات التضخم العام والأساسي ودخولها مسارًا نزوليًا ملحوظًا، وهو ما انعكس على استقرار الأسواق المالية وعودة النشاط الاقتصادي إلى مساره الطبيعي.
تدفقات أجنبية قياسية وصفقة رأس الحكمة
لم تقتصر مكاسب الإصلاحات على جذب الاستثمارات غير المباشرة فقط، بل شهدت مصر طفرة في التدفقات الأجنبية بدعم من ارتفاع تحويلات العاملين بالخارج والإيرادات التاريخية من صفقة الاستثمار في مشروع رأس الحكمة في مارس 2024.
هذه التدفقات الضخمة ساعدت على تحقيق تعافٍ غير مسبوق في صافي الأصول الأجنبية للنظام المصرفي المصري، ليعود إلى المنطقة الموجبة لأول مرة منذ أشهر طويلة، بدءًا من مايو 2024، وهو مؤشر على قوة الموقف المالي والقدرة على الوفاء بالالتزامات الدولية.
تعافي صافي الأصول الأجنبية وارتفاع الاحتياطيات
تشير بيانات البنك المركزي إلى أن صافي الأصول الأجنبية سجل خلال مارس 2025 نحو 760.8 مليار جنيه، بنسبة نمو تجاوزت 186% مقارنة بشهر ديسمبر 2024، وبزيادة قدرها 495 مليار جنيه.
وجاء هذا النمو نتيجة ارتفاع صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي إلى 632.8 مليار جنيه، بينما حققت البنوك المحلية صافي أصول أجنبية موجبة بلغت 128 مليار جنيه، بعد زيادة استثنائية بنحو 454 مليار جنيه خلال ثلاثة أشهر فقط.
هذا التحسن انعكس مباشرة على الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي ارتفع ليسجل 47.8 مليار دولار في مارس 2025، مقارنة بـ 34.8 مليار دولار في يونيو 2023، بما يعكس تحسن القدرة التمويلية للدولة وتعزيز استقرار سوق الصرف.
هيكل السيولة المحلية ينمو بثبات
بالتوازي مع تحسن المؤشرات النقدية، ارتفعت السيولة المحلية (M2) لتصل إلى 12.6 تريليون جنيه في مارس 2025، محققة معدل نمو 8% وزيادة قدرها 930.4 مليار جنيه مقارنة بديسمبر 2024.
ويعود هذا النمو بالأساس إلى ارتفاع الودائع بالعملة المحلية بقيمة 816 مليار جنيه لتسجل 9.5 تريليون جنيه، فيما ارتفعت العملة المحلية المتداولة بنحو 175.5 مليار جنيه لتصل إلى 1.3 تريليون جنيه.
أما الودائع بالعملة الأجنبية فشهدت زيادة بمقدار 114.4 مليار جنيه لتصل إلى 3.1 تريليون جنيه. ويُلاحظ أن 78.9% من إجمالي الودائع تعود للقطاع غير الحكومي، ما يعكس اتساع قاعدة الثقة في الجهاز المصرفي.
عودة القروض للقطاع الخاص إلى النمو
أحد أبرز مؤشرات نجاح الإصلاحات النقدية كان عودة الائتمان الموجه للقطاع الخاص إلى النمو بعد سنوات من الانكماش.
فقد ارتفع معدل النمو الحقيقي للقروض الممنوحة للقطاع الخاص إلى 10.1% في الربع الأول من 2025، مقارنة بمتوسط سلبي بلغ -8.7% في الربع الأول من 2024.
ويعود هذا التحسن إلى انخفاض معدلات التضخم السنوية في فبراير 2025، وتلاشي آثار دورة تشديد السياسة النقدية، مما فتح المجال أمام البنوك للتوسع في تمويل النشاط الاقتصادي الحقيقي.
القطاع الصناعي يقود التعافي الاقتصادي
ساهمت الإصلاحات النقدية في تحفيز النشاط الاقتصادي الحقيقي، خاصة في القطاع الخاص، حيث برزت القطاعات الصناعية كقاطرة للتعافي وفي مقدمتها النفط والغاز، مواد البناء، الأدوية، الأغذية والمشروبات.
كما شهدت القطاعات الخدمية تحسنًا ملموسًا في مجالات البناء والتشييد، العقارات، والخدمات المالية، بالتوازي مع ارتفاع الاستهلاك الخاص والاستثمار خلال الربع الثاني من العام المالي 2024/2025.
رسالة طمأنة للمستثمرين
تؤكد هذه المؤشرات أن السياسات النقدية التي اتبعها البنك المركزي المصري منذ مارس 2024 نجحت في إعادة الثقة إلى الأسواق، ووضع الاقتصاد على مسار التعافي المستدام.
كما تعكس الأرقام تحسن ملاءة الجهاز المصرفي، وزيادة قدرته على تمويل التوسع الاقتصادي، وهو ما يمثل رسالة طمأنة للمستثمرين المحليين والأجانب بأن مصر تمضي بخطوات واثقة نحو مرحلة جديدة من الاستقرار المالي والنقدي.




