في قلب الصحراء الغربية، حيث كانت الدروب القديمة هي الوسيلة الوحيدة للربط بين واحات الوادي الجديد ووادى النيل، ينبعث من رمال الزمن طريق تاريخي يعود للحياة من جديد، إنه “درب الرفوف”، أحد أقدم وأهم الدروب الصحراوية، والذي بات اليوم محورًا استراتيجيًا ضمن خطة الدولة لربط المحافظات الحدودية بشبكة الطرق القومية.
يقع درب الرفوف شمال شرق مدينة الخارجة، عاصمة محافظة الوادي الجديد، ويبدأ على بعد نحو 45 كيلومترًا من المدينة، ويُعد من أقصر المسارات الطبيعية التي تربط الواحات بمحافظة سوهاج في صعيد مصر، ويمتد بطول يقارب 160 كيلومترًا حتى وادي حلاف، ومنها إلى وادي النيل على مسافة تُقدّر بـ12 كيلومترًا فقط.
وبفضل الرؤية التنموية الشاملة التي تنتهجها الدولة المصرية حاليًا، أعيد إحياء هذا الدرب القديم من خلال مشروع ضخم لإنشاء طريق “الخارجة – سوهاج”، والذي أوشك على الاكتمال بعد سنوات من العمل الجاد والتخطيط الهندسي المتقن. وتُقدّر التكلفة الإجمالية للمشروع بحوالي مليار ونصف جنيه مصري، ويُنفذ على مرحلتين: الأولى تمتد من مدينة الكوامل بسوهاج إلى مدخل الخارجة بطول 117 كيلومترًا، والثانية بطول 25 كيلومترًا من مدخل المدينة حتى منطقة النقب.
الموقع الجغرافي وأهمية الربط
يكتسب درب الرفوف أهميته التاريخية والجغرافية من كونه حلقة الوصل بين عمق الصحراء الغربية ووادي النيل، ما يجعله شريانًا حيويًا لتنقل البضائع والأفراد، وركيزة رئيسية لخطط التنمية الزراعية والصناعية والسياحية في الوادي الجديد.
يتخذ الدرب مساره باتجاه الشمال الشرقي حتى بداية طريق سوهاج، ويمر بعدد من النقاط الجغرافية الهامة، منها منابع المياه في قاعدة جبل الغنايم على بعد 27 كيلومترًا شمال شرق الخارجة، مرورًا بمنطقة الدير الواقعة شمال شرق قرية المنيرة بنحو 13 كيلومترًا، ثم يصعد طريقًا جبليًا ضيقًا يعرف بـ”نقب أبو سروال”، الذي يُعد أحد أبرز التحديات التضاريسية في المنطقة.
بعد تجاوز النقب، ينفتح الطريق على هضبة شاسعة حجرية منبسطة تلتقي فيها مسارات الدروب الصحراوية القديمة، وتحديدًا مع درب الأربعين التاريخي، ثم يتجه شرقا في مسار مباشر نحو محافظة سوهاج.
شواهد أثرية على امتداد الطريق
ما يُضفي على درب الرفوف بعدًا حضاريًا وتاريخيًا هو ما يحتويه من معالم أثرية متنوعة على امتداد الطريق، تشمل أكوامًا من الحجارة كانت تُستخدم كعلامات إرشادية للمسافرين، وكسارات من الفخار ترجع لعصور مختلفة، إلى جانب حفارات صغيرة منحوتة في الصخر يُعتقد أنها كانت تُستخدم كأوانٍ لإطعام وسقاية الحيوانات أثناء الرحلات عبر الصحراء.
هذا الامتداد الزمني والحضاري للدرب يعكس تاريخًا طويلًا من الاستخدام، ويدعم الروايات التاريخية التي تؤكد أن هذا المسار كان من طرق القوافل الحيوية التي ربطت بين مصر وبلاد السودان، كما كان معبرًا هامًا للأنشطة التجارية والدينية وحتى العسكرية.
محور تنموي جديد ضمن المشروع القومي للطرق
بحسب تصريحات اللواء دكتور محمد الزملوط، محافظ الوادي الجديد، فإن هذا المشروع يُنفذ تحت إشراف جهاز التعمير بالمحافظة، ويأتي ضمن الخطة القومية لتطوير شبكة الطرق، خاصة تلك التي تربط المحافظات الحدودية بوادي النيل. وقد أشار إلى أن محافظة الوادي الجديد كان لها النصيب الأكبر من بين المحافظات في المشروع القومي للطرق، حيث تم تخصيص أكثر من 3400 كيلومتر من إجمالي 7000 كيلومتر على مستوى الجمهورية لخدمة هذه المنطقة الشاسعة.
ويوضح المحافظ أن المشروع لا يقتصر على طريق “الخارجة – سوهاج” فحسب، بل يشمل عدة محاور استراتيجية، منها:
-
طريق “الخارجة – أسيوط”
-
طريق “الفرافرة – ديروط”
-
طريق “الداخلة – منفلوط”
-
طريق “باريس – الأقصر”
-
طريق “باريس – أبو سمبل”
كل هذه الطرق تستهدف تحقيق الربط الشامل بين واحات الوادي الجديد ومراكز الثقل السكاني والاقتصادي في وادي النيل، وتقليل مشقة الانتقال التي ظلت تؤرق السكان لعقود طويلة، خاصة أن المحافظة تمثل ما يقارب 44% من إجمالي مساحة مصر.
تحفيز للاستثمار وإقامة مجتمعات عمرانية جديدة
لم يكن الهدف من إعادة تأهيل درب الرفوف مجرد تسهيل التنقل، بل جاء ضمن رؤية أشمل لتحويل هذا المحور إلى قناة تنموية تفتح آفاقًا واسعة للاستثمار، وتدعم جهود الدولة في التوسع العمراني والزراعي والصناعي داخل الصحراء الغربية.
فهذا الطريق من شأنه أن يُسهم في جذب الاستثمارات إلى محافظة الوادي الجديد، ويدعم إقامة مجتمعات عمرانية جديدة تستوعب النمو السكاني، إلى جانب تطوير السياحة الصحراوية والأثرية التي تزخر بها المحافظة.
هكذا يُبعث “درب الرفوف” من جديد، ليس فقط كشاهد على تاريخ القوافل القديمة ومسارات الحضارات، بل كرمز للتنمية المتكاملة التي تنفذها الدولة في مناطق ظلت مهمشة لعقود. فبين تضاريس الصحراء الممتدة وآثار العصور السحيقة، يتحول طريق ترابي قديم إلى شريان تنموي نابض، يربط الماضي بالمستقبل، والتاريخ بالحياة.





