المرأه

“حين تُخدع القلوب الصافية.. من الذي يجب أن يخجل؟”

دينا زكريا

في زمنٍ باتت فيه القسوة تُصنَّف “ذكاءً اجتماعيًا”، والغدر يُبرَّر بـ”حب الذات”، يُطرح سؤالٌ وجوديّ وأخلاقيّ في آن: أين ذهب حياء الإنسان من نفسه؟ ولماذا لم يعد يخجل حين يفكر في خداع من لم يؤذه يومًا؟
بل كيف صارت فكرة استغلال الطيبين، تمرّ في الخواطر دون أن تُقابل برجفةٍ في القلب أو ضيقٍ في الصدر أو صفعةٍ من الضمير؟

العبارة التي تقول: “ينبغي للمرء أن يخجل من نفسه ويشعر بالخزي، لمجرد أن تراوده فكرة خداع إنسان طيب” ليست مجرد نصيحة سلوكية، بل هي اختزالٌ لمبدأ عميق في القيم الإنسانية: أن الطيبة ليست ضعفًا، بل امتحانٌ للذي يتعامل معها.

■ الطيبة في مواجهة من لا يستحقها

الطيب لا يحمل سيفًا ولا يخطط لخداع، لا يضع أقنعة، ولا يُتقن التلاعب بالمشاعر. الطيب يسير في الحياة بقلب مكشوف، ظانًّا أن الخير يُقابَل بالخير، والنية الصافية تُفهم من تلقاء ذاتها.
لكن الواقع يقول إن الطيب غالبًا ما يُجرح أولًا، ويُخدع كثيرًا، ويُتَّهم بالغباء عندما يُلدغ من الجحر نفسه مرارًا.

الخطير في الأمر ليس فقط أن يُخدع الطيب، بل أن يُخطَّط لخداعه عمدًا من أشخاص يعرفون جيدًا ما يملكه من نقاء، ويختارون استغلاله لا احترامه.
وهنا تصبح المسألة ليست فقط جريمة أخلاقية، بل سقوطًا مريرًا في إنسانية فاسدة.

■ متى توقّف الناس عن الشعور بالخزي؟

في الماضي، كان الحياء من الله ومن النفس ومن الناس، هو خطّ الدفاع الأول ضد الشرور.
المرء قد يفكر في الخطأ، لكنه يرتجف من مجرد التصوّر.
كان يخجل من نظرة أمه، من إحباط أستاذه، من صدمة صديقه، أو من حديث نفسه.

أما اليوم، فقد ارتفع منسوب “التبرير”، وانخفض منسوب “الندم”.
صار الخداع “حقًا” طالما أن الآخر “غبي بما يكفي ليصدق”، وصارت الطيبة “ثغرة يمكن النفاذ منها”، لا سمة تُصان.
تحوّلت بعض العقول إلى مصانع لتحليل أي فعل خاطئ وتغليفه بعشرات الأعذار: “أنا مضطر”، “هو يستحق”، “هذه قسوة ضرورية”، “لا بد أن أفكر في نفسي أولًا”…

لكن الحقيقة التي لا تهرب من المرايا، هي أن من يخدع إنسانًا طيبًا، يخدع نفسه أولًا، ويقترض من رصيده الأخلاقي حتى يُفلس تمامًا.

■ خداع الطيب ليس ذكاءً.. بل جُبن

غالبًا ما يُروّج البعض أن خداع الطيبين يدل على براعة ودهاء، بل ويتم تداوله كمثال على السيطرة أو الذكاء العاطفي.
لكن الحقيقة أن أسهل من يُخدع هو من لا يتوقع الخديعة أصلًا.
أن تغدر بمن فتح لك قلبه لا يُعد انتصارًا، بل عارًا.
هو كاللص الذي يسرق بيتًا أبوابه مفتوحة، فيفرح بـ”الإنجاز”، بينما لم يُواجه تحديًا حقيقيًا سوى ضميره — الذي، إن لم يصمت تمامًا، سيظل يهمس له بأن انتصاره ملوث.

■ الضمير: صوت الخزي الذي لا يرحل

حتى أكثر القلوب قسوة، لا تسلم من وخز الضمير حين يهدأ الضجيج.
قد يضحك الخائن أمام الناس، وقد ينام الليالي الأولى مطمئنًا، لكن لحظة الصفاء لا ترحم.
يتكرر المشهد في الداخل:
عيون الطيب وهو يصدق الكذبة، قلبه الذي يطمئن، وصوته وهو يقول: “أنا واثق فيك.”

ويبدأ الشعور بالخزي يزحف ببطء، يخدش الصورة الذاتية، يكشف أن المرء ليس كما يزعم لنفسه.
فالناس قد تنسى، وقد تسامح، وقد تبتعد.
لكن النفس حين تحتقر نفسها، فإنها لا تهدأ.

■ ماذا تبقى من إنسانيتنا إن خذلنا من وثقوا فينا؟

الإنسان لا يُعرَف في قوته فقط، بل في كيفيّة تعامله مع ضعف الآخرين.
الإنسان يُختبَر حين يُعطى فرصة للغدر ولا يغدر، حين يُقدَّم له قلبٌ صافٍ فيُكرمه لا يُهينه، حين يُثق به شخص فيكون على قدر الثقة.

كلّ علاقة إنسانية هي ميثاق أخلاقي غير مكتوب، يُختبر فيه الطرفان أمام الله وأمام أنفسهم.
فإن اخترت أن تخون من وثق بك، فقد كتبت سطورًا لا تُمحى في سجلّك الشخصي، وستُطارِدك في لحظات ضعفك، في ضميرك، في نظرة أولادك حين يكبرون، وفي لحظة الموت حين تُراجِع حياتك وتكتشف من كنت.

■ الحياء من الفكرة، لا الفعل فقط

ينبغي على الإنسان أن يَخجل، لا فقط من الفعل القبيح، بل من مجرد التفكير فيه.
أن تهاجمك فكرة استغلال إنسان طيب، ثم تقف وتقول لنفسك: “كيف فكرت بهذا؟ هذا لا يُشبِهني.”

ذلك هو أول نصر حقيقي على الوحش الكامن في كل منا.
ذلك هو ما يُعيد ترتيب الأشياء في الداخل، ويفصل بين من يقودهم ضميرهم، ومن قادهم طمعهم إلى حافة الندم.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى