
يُعد عمود الصواري واحدًا من أشهر المعالم الأثرية في مدينة الإسكندرية، إذ يستقطب يوميًا أعدادًا كبيرة من السائحين من مختلف دول العالم، إلى جانب زواره من أبناء المدينة والرحلات الداخلية القادمة من مختلف المحافظات. ويحرص الكثيرون على زيارة هذا المعلم التاريخي لما يحمله من قيمة أثرية كبيرة، حيث يُعد من أقدم وأضخم النصب التذكارية الباقية في العالم، ويعكس جانبًا مهمًا من تاريخ الإسكندرية في العصر الروماني.
قصة إنشاء عمود الصواري
يقع عمود الصواري في منطقة كرموز غرب الإسكندرية، وتحديدًا في منطقة البياصة، ويُعد من أبرز الآثار الرومانية الموجودة في مصر. وقد شيده سكندريون تكريمًا للإمبراطور الروماني دقلديانوس في القرن الثالث الميلادي، ليكون نصبًا تذكاريًا يخلد اسمه، رغم أنه عُرف تاريخيًا باضطهاده للمسيحيين في تلك الفترة.
ويُعد العمود من بقايا معبد السيرابيوم الشهير في الإسكندرية، وهو معبد كان مكرسًا لعبادة الإله سيرابيس في العصرين البطلمي والروماني. ويصل ارتفاع العمود إلى نحو 27 مترًا، وقد صُنع من الجرانيت الأحمر، ويتميز بضخامته ودقة نحته، إذ يتكون بدن العمود من قطعة واحدة ضخمة.
ذكره الرحالة والمؤرخون
ويشير محمد سعيد، الخبير الأثري بالإسكندرية، إلى أن عمود الصواري حظي باهتمام الرحالة والمؤرخين عبر العصور، ومن بينهم الرحالة الشهير ابن بطوطة الذي زار الإسكندرية في القرن الرابع عشر الميلادي.
وقد وصف ابن بطوطة العمود في رحلته قائلاً:
“ومن غرائب هذه المدينة عمود الرخام الهائل المسمى عندهم بعمود السواري، وهو قطعة واحدة محكمة النحت أقيم على قواعد حجارة مربعة أمثال الدكاكين العظيمة، ولا تُعرف كيفية وضعه هناك ولا يتحقق من وضعه.”
سر التسمية
ويضيف الخبير الأثري أن العرب أطلقوا على هذا الأثر اسم “عمود الصواري” نسبة إلى صواري السفن، نظرًا لارتفاعه الشاهق مقارنة بالأعمدة التي كانت تحيط به قديمًا. ومع مرور الزمن تحرفت التسمية عند البعض إلى “السوارى”.
كما يوجد على الجزء العلوي من قاعدة العمود نقش يوناني يظهر بوضوح عندما تسقط عليه أشعة الشمس، وهو ما يضيف قيمة تاريخية وأثرية إضافية لهذا المعلم الفريد.
عمود الصواري ومعبد السيرابيوم
أُقيم عمود الصواري فوق تل باب سدرة داخل فناء معبد السيرابيوم في غرب الإسكندرية. وكان المعبد من أعظم المعابد في المدينة القديمة، حتى أطلق عليه العرب لاحقًا اسم “قصر الإسكندرية”. إلا أن المعبد تعرض للهدم بالكامل في القرن الثاني عشر الميلادي، ولم يتبق منه سوى بعض الصخور التي تمثل أساساته.
وفي العصور القديمة، كان عمود الصواري يتوسط رواقًا ضخمًا داخل المعبد، وكان هذا الرواق يضم نحو 400 عمود. وتشير الروايات التاريخية إلى أن بعض هذه الأعمدة أُلقي في البحر عام 1167م على يد أحد الأمناء النوبيين التابعين للسلطان صلاح الدين الأيوبي، وذلك بهدف تدعيم تحصينات المدينة في مواجهة الهجمات الصليبية.
مواصفات العمود الأثرية
صُنع عمود الصواري من حجر الجرانيت الأحمر، ويبلغ طول جسم العمود وحده نحو 26 مترًا، بينما يصل الارتفاع الكلي له، بما في ذلك القاعدة والتاج، إلى نحو 26.85 مترًا. ويُعد بذلك أحد أعلى الأعمدة التذكارية في العالم القديم.
وقد أقامه سكندريون تكريمًا للإمبراطور دقلديانوس، تعبيرًا عن امتنانهم له بعد أن قدم مساعدات للمدينة في فترة عانت فيها من المجاعة والاضطرابات.
معالم أثرية تحيط بالعمود
يحيط بعمود الصواري عدد من المعالم الأثرية المهمة، حيث توجد إلى الغرب منه قاعدتان أثريتان يمكن الوصول إليهما عبر ممر وسلالم تحت الأرض. كما يقع شمال العمود تمثالان لأبي الهول مصنوعان من الجرانيت الوردي، ويعود تاريخهما إلى عصر الملك بطليموس السادس.
ويقع العمود أيضًا على بُعد نحو 300 متر فقط من مقابر كوم الشقافة، إحدى أهم المقابر الأثرية في الإسكندرية، والتي تعكس مزيجًا فريدًا من الفنون المصرية واليونانية والرومانية.
وتقع منطقة كرموز الأثرية، التي تضم عمود الصواري، على بُعد نحو 250 كيلومترًا شمال القاهرة، وكانت هذه المنطقة في العصور القديمة تُعرف باسم “أكروبوليس الإسكندرية”، حيث كانت مركزًا دينيًا وثقافيًا مهمًا في المدينة.
وبفضل قيمته التاريخية والمعمارية، يظل عمود الصواري شاهدًا حيًا على عظمة الحضارة التي ازدهرت في الإسكندرية عبر العصور، وواحدًا من أهم المعالم التي تجذب الزوار لاكتشاف تاريخ المدينة العريق.





