
دينا زكريا
في زمنٍ ازدحمت فيه العلاقات السريعة، وباتت المشاعر تُقال بتهوّر أكثر مما تُعاش، أصبحت كلمة “أنا سندك وظهرك” تُقال بخفّة لا تليق بثقلها، وكأنها جملة عابرة لا تملك القدرة على تغيير مصائر، ولا على بناء أحلام أو هدمها. ومع أن الوعود لم تكن يومًا مجرد حروف، فإن التفريط فيها بات عادة مؤلمة تُرهق قلوبًا كثيرة ظنّت أن الصدق ما زال يسكن بين البشر.
الكلمات التي تُعطى في لحظة دفء أو اندفاع قد تصبح فيما بعد عبئًا يعيش عليه شخص آخر، ينتظر تحقيقها كمن ينتظر الخلاص. فحين تقول لأحدهم “أنا دنيتك، نصّك التاني، وتوأمك الروحي” فأنت تضع حجر الأساس لقصة كاملة، قصة قد يصدّقها الطرف الآخر حتى يصبح أسيرًا لها، بينما هي بالنسبة لك ربما كانت لحظة عاطفية عابرة لا أكثر.

إن أخطر ما في العلاقات ليس الخذلان نفسه، بل الوهم الذي يسبق الخذلان… الوهم الذي يجعل القلب يعلّق آماله على كلمات غير مُحسوبة، وعلى وعود لم يُفكّر صاحبها يومًا إن كان قادرًا على الوفاء بها أم لا. فالظلم الحقيقي يبدأ حين تمنح إنسانًا ما لا تنوي تقديمه، وتتركه يبني دنيا كاملة على أساس ضعيف، أساس لم تكن جادًا في تثبيته منذ البداية.
الكثيرون يقعون ضحايا لكلمات قيلت للتجميل وليس للحقيقة، ضحايا لأشخاص طاروا بهم إلى السماء ثم تركوهم يهويون وحدهم إلى سابع أرض. وبين لحظة الحب ولحظة الهجر، تنكسر أرواحٌ ظنّت أنها وجدت أخيرًا طوق النجاة، فإذا به يتحول إلى يدٍ تدفعها نحو الغرق.
وليس من العدل أن تُغرق شخصًا في وهمك، وتتركه يواجه الحقيقة الموجعة وحده. ليس من العدل أن تُشعره أنه نجاتك، بينما أنت في داخلك تعرف أن مقامك الحقيقي ليس بالقرب، بل في الابتعاد. فإما أن تكون صادقًا وقدّ كلامك، وإما أن تغادر بكرامة دون أن تترك وراءك روحًا متروكة بين الأطلال.

لا يحتاج البشر إلى المزيد من الخداع؛ العالم مليء بما يكفي من الجراح. لذلك، فإن أقل ما يجب فعله هو احترام مشاعر الآخرين، وعدم تحويلها إلى ملعب تجارب. فالمشاعر ليست لعبة، والقلوب ليست رهانات ترفعها حين تريد، وتطيح بها حين تملّ.
ومن المؤسف أن البعض يزرع جحوده وظلمه وفشله وخداعه في أرض كان يمكن أن تكون جنّة لشخص آخر قادر على أن يرويها بعمره كله. فبدلًا من أن يُنهي العلاقة بشجاعة، يبقى يتلاعب تاركًا الآخر في دائرة لا تنتهي من الانتظار والأسئلة المؤلمة.
إن القلوب بطبعها هشة، مهما أظهرت القوة، وفي داخل كل نفس حكايات لا يحتملها إلا الله. ولذلك، فإن أول ما يجب أن يفعله الإنسان هو أن يخاف الله في قلوب الآخرين:
لا تمنح وعدًا لا تنوي الوفاء به… ولا تخلق حكاية وأنت تعلم أن نهايتها لن تكون سعيدة.
فالعلاقات الصادقة لا تُبنى على كلمات جميلة، بل على أفعال تثبت أن الوعود ليست مجرد حروف، وإنما عقد أخلاقي وإنساني. وإن لم تستطع أن تحفظ هذا العقد، فالرحيل الكريم أشرف ألف مرة من الخداع المبطّن بحنان زائف.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأبدي:
اجعل قلبك صادقًا… وإن لم تستطع، فاجعل خطواتك بعيدة.





