
في زحمة التاريخ الطويل لعروس البحر المتوسط، تختفي بين طبقات الزمن آثارٌ عظيمة لم يبقَ منها سوى صدى الحكايات. ومن بين تلك الشواهد التي اندثرت، يبرز فنار الإسكندرية القديم، إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم، والذي استطاع أن يحتفظ بمكانته الاستثنائية رغم اختفائه، ليبقى حاضرًا في ذاكرة الحضارة الإنسانية من الإسكندرية حتى باريس، حيث سجلته منظمة اليونسكو ضمن التراث الإنساني الذي لا يُنسى.

أصل الحكاية.. لماذا شُيّد الفنار؟
شيّد الفنار على الطرف الشرقي لجزيرة فاروس، ليكون دليلاً للسفن القادمة إلى ميناء الإسكندرية، الذي كان أحد أهم الموانئ العالمية في العصور القديمة. كان الهدف منه واضحًا: حماية السفن من المخاطر، وإرشاد حركة التجارة التي جعلت المدينة درة البحر المتوسط.
بدأ العمل فيه في عهد بطليموس الأول سوتر، ثم اكتمل في عصر ابنه بطليموس الثاني حوالي عام 280 قبل الميلاد، على يد المهندس الإغريقي الشهير سوستراتوس، الذي وضع تصميمًا معماريًا فريدًا لم تعرف البشرية مثله آنذاك.
تحفة معمارية تُدهش العالم
جاء الفنار بثلاثة طوابق متدرجة:
-
قاعدة مربعة ضخمة
-
طابق أوسط ثماني أو سداسي الشكل وفق ما تذكر المصادر
-
طابق علوي دائري توّج بمرآة عملاقة تعكس أشعة الشمس نهارًا، بينما تُشعل نار قوية ليلًا لتوجيه السفن من مسافات بعيدة.
وتؤكد الأدلة التاريخية، بحسب الخبير الأثري محمد سعيد، أن ارتفاع الفنار كان يتراوح بين 120 و140 مترًا، ليجعله واحدًا من أعلى المنشآت التي عرفها العالم القديم. واستُخدم في بنائه الحجر الجيري والجرانيت، بينما صُنعت التماثيل الخارجية من البرونز، وكان يعلوه تمثال لإله البحر في المعتقدات اليونانية القديمة.
منارة تصارع الزلازل حتى السقوط
مرّت على الفنار قرون طويلة، واجه خلالها عواصف وزلازل قوية ضربت الساحل الشمالي لمصر. ومع توالي الكوارث الطبيعية، بدأت أجزاؤه في الانهيار تدريجيًا، إلى أن دُمّر بالكامل، وغرقت بقاياه تحت مياه البحر.
وفي الستينيات، كشفت بعثات الآثار الغارقة عن تماثيل ضخمة بالقرب من موقع قلعة قايتباي؛ أحدها للإلهة إيزيس والآخر للملك بطليموس. ويرجح العلماء أن تلك التماثيل هي نفسها التي كانت تزين الفنار قبل انهياره.
أساطير تحيط بالفنار
لا يزال التاريخ يحمل العديد من القصص المثيرة حول الفنار، بعضها أقرب إلى الأسطورة؛ منها أنه استطاع عبر عدسة هائلة في قمته أن يحرق سفن الأعداء بمجرد تركيز ضوء الشمس عليها. ورغم عدم وجود دليل علمي قاطع يثبت ذلك، فقد ظلّت القصة جزءًا من سحر الفنار الذي ألهم الرحّالة والمؤرخين.
أما قصة هدمه، فتتراوح بين تفسيرين:
-
الأول يرجع انهياره إلى الزلازل المتتابعة.
-
والثاني يحكي عن رجل جاء في عصر الدولة الفاطمية متنكرًا في هيئة عالم فلك، وأقنع الحاكم بهدم الفنار بحثًا عن كنز مدفون تحته؛ لكن الهدف الحقيقي –وفق الأسطورة– كان إزالة الفنار لأنه يعوق حركة بعض السفن الأجنبية.
ومهما اختلفت الروايات، يبقى الثابت أن الفنار اختفى تمامًا قبل أن يُقرر السلطان المملوكي الأشرف قايتباي عام 1477م بناء قلعة ضخمة في نفس موقعه، مستخدمًا أحجاره المتبقية، لتولد قلعة قايتباي من رحم واحدة من أعظم منارات التاريخ.
بين الأسطورة والواقع.. إرث لا يندثر
اختفى الفنار، لكن أثره لم يختف. فقد ظلّ مثالًا على عبقرية المعمار القديم، وواحدًا من أبرز الابتكارات العلمية التي عرفها الإنسان، قبل أن تلتقط اليونسكو حكايته وتعيده إلى الضوء العالمي من جديد.
وهكذا، يبقى فنار الإسكندرية القديم — رغم غرقه — شاهدًا خالدًا على حضارة لا تزال تفاجئ العالم بما تركته من معجزات وآثار، بعضها قائم فوق الأرض، والبعض الآخر ترقد أسراره في أعماق البحر.





