
دينا زكريا

في الذكرى السنوية لرحيل الفنانة دلال عبد العزيز، لا يزال الحزن يلفّ قلوب محبيها، ولا تزال صورتها محفورة في الوجدان المصري والعربي كرمز للطيبة والدفء والصدق الإنساني قبل أن تكون فنانة مرموقة. لا تمر هذه الذكرى كخبر عابر، بل كمشهد مؤلم يذكرنا بامرأة اختارت الحب طريقًا، والإخلاص مبدأً، والبيت وطنًا، فكانت أمًّا حقيقية في حياتها وفنّها، وزوجة مُلهمة، وصديقة للجميع، حاضرة حتى في غيابها.
دلال وسمير.. حكاية عمر
حين قال لها الفنان سمير غانم في بداية تعارفهما:
“أنا أكبر منك بأكتر من عشرين سنة.. يعني ممكن في أي لحظة تبقي أرملة وتربي العيال لوحدك”،
لم تتراجع دلال خطوة، بل أجابته بثقة المرأة التي ترى بنور قلبها:
“متخفش.. هتعيش لغاية ما تربيهم وتجوزهم وتشوف عيالهم كمان”.
لم يكن ذلك وعدًا عابرًا، بل تجسيدًا لفكرة الحب الناضج، حب لا يرى في الفارق العمري عقبة، ولا في تقلبات الشخصية تهديدًا، بل مشروعًا للبناء، وبيتًا لا يسقط مهما هبّت عليه الرياح.
تزوجت دلال عبد العزيز من سمير غانم وهي على وعي بكل ما فيه: الفنان النجم، الرجل الخفيف الظل، المبدع، لكنه في ذات الوقت “هوائي”، غير مستقر، متردد أحيانًا، لا يحب القيود كثيرًا. لكنها آمنت أنه يحتاج إلى دفء، إلى استقرار، إلى ميناء يرسو إليه بعد كل جولة في بحر الفن والحياة.
وكانت هي هذا الميناء.
لم تحاول تغييره، بل أحبته كما هو، واحتوته، ونسجت من صبرها بيتًا دافئًا، ومن حبها عائلة جميلة. لم تكتفِ بأن تكون زوجة لنجم، بل كانت نجمًا في حياة هذا النجم. والاعتراف جاء منه هو:
قال سمير غانم ذات مرة:
“دلال أدّتني أجمل هديتين في حياتي: دنيا وإيمي.. وسميت بنتي الكبيرة ‘دنيا’، لأنها كانت بالنسبة لي فعلاً حياة جديدة”.
من قنا إلى قلوب الملايين
ولدت دلال عبد العزيز عام 1960 بمحافظة قنا، وتخرجت من كلية الزراعة بجامعة الزقازيق، قبل أن تنتقل إلى عالم الفن، وتبدأ رحلتها التي امتدت لأكثر من أربعة عقود.
لكن دلال لم تكن مجرد ممثلة، كانت دائمًا “المرأة المصرية” بتجلياتها المتعددة: الزوجة، الأم، الجارة الطيبة، الصديقة الوفية، القروية الحكيمة، السيدة المتعلمة الراقية، القريبة من القلب.
أدوارها في الدراما والسينما والمسرح كانت دائمًا تحمل بعدًا إنسانيًا، حتى وإن لم تكن البطولة باسمها. كانت تعرف كيف تترك أثرًا دون ضجيج، وكيف تمنح الدور قلبها لا فقط حضورها.
من “يوم مر ويوم حلو”، إلى “حديث الصباح والمساء”، إلى “الناس في كفر عسكر”، وصولاً إلى أدوارها في الكوميديا، وحتى مسرحياتها إلى جانب زوجها سمير غانم، كانت دلال علامة على الأصالة والبساطة والعفوية.
بنت بلد بـ”فطرة الأم”
في حياة دلال عبد العزيز، لم تكن الأمومة حكرًا على دنيا وإيمي فقط، بل كانت أمًا لكل من عرفها. الفنانة الراحلة رجاء الجداوي كانت تقول عنها دائمًا:
“دلال لما تخش مكان تحس إن فيه أم دخلت.. فيها حنية الست المصرية اللي بتعرف تحضن الكل”.
هذه “الفطرة الأمومية” جعلت من بيتها قبلة للفنانين الشباب، وأصدقاء العائلة، وأقاربهم، وكل من عرفهم. لم تكن تنشغل بالشكل أو الشهرة، بل بتفاصيل الحياة الصغيرة: “مين أكل؟ مين تعبان؟ مين محتاج يسمع كلمة طيبة؟”.
كانت تحاجي على بيتها – كما يقول أهل الفلاحين – تعرف متى تسكت، ومتى تصالح، ومتى تتنازل كي لا ينهار البيت.
ورغم أن حياتها الشخصية كانت مليئة بالمسؤوليات، لم تنقطع يومًا عن عملها الفني، بل كانت تختار بعناية، وتنتقل بين الأدوار الدرامية والكوميدية بسهولة تحسد عليها، وبتواضع نادر في عالم يضج بالأنانية.
امرأة استثنائية في مشهد استثنائي
حين مرض سمير غانم في 2021 ودخل المستشفى، لحقت به دلال عبد العزيز بعد أيام، إثر إصابتها بفيروس كورونا. لكن المشهد الذي لا يُنسى هو أنها ظلت في غيبوبة، لا تعلم أن رفيق عمرها قد رحل.
وحرصت عائلتها، بدافع الحب والخوف، على إخفاء الخبر عنها، كي لا ينهار قلبها الذي لم يعرف الحياة بدونه.
لكن كأن الروح شعرت بالغياب… بعد 80 يومًا، لحقت به.
لم تتحمل الحياة دونه، وكأن القدر قرر أن تبقى الحكاية مكتملة، لا تنتهي بنصفها. رحل سمير، وتبعته دلال، وكأنهما تعاهدا في صمت: “نروح سوا”.
30 سنة زواج بلا ضجيج
في زمن كثرت فيه الأخبار عن الطلاق والمشكلات الأسرية في الوسط الفني، كانت دلال وسمير استثناءً جميلاً. ثلاثون عامًا من الزواج، لم نسمع فيها يومًا عن خلاف كبير، أو أزمة علنية، أو خلاف على تربية الأبناء.
كانت العلاقة بينهما قائمة على المودة والرحمة، الصداقة والضحك، والدعم المستمر. حتى اختلافاتهما كانت تمر بخفة ظل سمير، وحكمة دلال.
لم تكن تُظهر غير الجميل، ولم تتحدث أبدًا عن مشكلات أو تعب. كانت تعرف كيف تحفظ بيتها، وتصون ما بينها وبين زوجها، وترفع من شأن عائلتها في العلن.
حزن لا يُمحى من الذاكرة
رحلت دلال، لكن رحيلها لم يكن كأي رحيل.
في جنازتها، بكى الجميع.. من فنانين ومحبين وأصدقاء.
المشهد لم يكن فقط وداعًا لفنانة، بل لفكرة جميلة عن الزمن الجميل، عن المرأة القوية الطيبة، عن الحب الحقيقي الذي لا يتكرر.
حتى بعد رحيلها، ما زالت دلال تربي في الناس قيمًا، وتمنحهم دروسًا في الصبر والاحتواء.
دنيا وإيمي.. ابنتا الحب
خرجت دنيا وإيمي سمير غانم من هذه العلاقة نموذجًا نادرًا للوفاء والتواضع والموهبة.
رُبّيتا على الحب، وأثبتتا أن ما ورثتاه من أبويهما ليس فقط الموهبة، بل القلب، والتربية، والاحتواء.
عاشت دلال لأجل بناتها، ومرضت بعد فقدان والدهم، لكنها زرعت فيهما من القوة ما يكفي ليواجها الدنيا بأقل وجع ممكن.
واليوم، في كل ظهور لهما، تحملان اسم والدتهما في الصوت والابتسامة والاحترام.
إرث لا يندثر
من يتأمل مسيرة دلال عبد العزيز الفنية والإنسانية، سيجد أنها تركت أكثر من مجرد رصيد أعمال أو أدوار ناجحة.
لقد تركت فلسفة كاملة للحياة: كيف تكون قويًا دون أن تؤذي، وكيف تكون محبوبًا دون أن تتصنع، وكيف تصنع بيتًا ناجحًا رغم ضغوط الشهرة، وكيف تزرع في قلوب الناس طمأنينة نادرة.
كانت فنانة كبيرة، لكن أعظم أدوارها على الإطلاق، كانت في الحياة، في البيت، في الأمومة، في الحب، في الوفاء، وفي الرحيل بصمتٍ راقٍ وكأنها لا تريد أن تُقلق أحدًا.
في ذكراها: ماذا بقي من دلال؟
في الذكرى الرابعة لرحيلها، يسأل كثيرون:
ماذا بقي من دلال عبد العزيز؟
والإجابة ببساطة: بقيت إنسانة عظيمة علّمتنا أن نحب بصدق، أن نُخلص لبيوتنا، أن نعتني بمن نحب، وأن لا ننسى أبدًا أن الحنان موقف، وأن الاحتواء قوة، وأن المرأة المصرية قادرة أن تصنع أسطورة من بيت بسيط، فقط إذا كانت تملك قلبًا مثل قلب دلال.
رحم الله دلال عبد العزيز… وأسكنها فسيح جناته، وأبقى أثرها حيًا في قلوبنا كما كانت دائمًا.





