تحقيق صحفي موسّع: بين معابد متهدمة وقلاع صامدة ومومياوات الكلاب ورسائل أنوبيس.. أسرار لا تنتهي في أعماق الجنوب المصري
وسط الصحراء الغربية المترامية الأطراف، وعلى أطراف منخفضات واحات الوادي الجديد، لا تزال بقايا حضارات قديمة تنبض بالحياة، شاهدة على فصول طويلة من التاريخ الإنساني الذي تعاقب فوق هذه الأرض. فبين قلاع الطوب اللبن، والمقابر المنسية، ونُزل الجنود الرومان، تكشف الواحات عن كنوز أثرية قلّما تسلط عليها الأضواء، رغم كونها من بين أندر الشواهد المتبقية على الاستيطان الروماني والصراعات العسكرية والعبادات الغامضة التي ازدهرت على تخوم الصحراء الكبرى.
ومن قلب واحة الخارجة، كبرى واحات الوادي الجديد، تبدأ الحكاية مع قصر الضباشية، أو ما يعرف بعين طباشير، حيث أطلال معبد روماني تتوسط الصحراء الشمالية للمنخفض، تقف وحيدة وسط الرمال الصفراء. يشير علماء الآثار إلى أن هذه المنطقة كانت يومًا مستوطنة رومانية متكاملة، تضم كولمباريوم (يُعتقد أنه برج حمام يوناني)، و67 مقبرة، تعود أقدم قطع الفخار المستخرجة منها إلى الفترة الواقعة بين الأسرة السابعة والعشرين والعصر الميلادي الأول.
تمتد آثار الاستيطان بعيدًا عن المعبد، حيث وجدت شواهد معمارية تدل على أن حياة كاملة كانت قائمة هناك. ومنذ بداية التسعينيات، بدأ المجلس الأعلى للآثار عمليات تنقيب دقيقة، كشفت في عام 1994 عن مومياوات لكلاب، وجدت في المقبرة رقم 41، بطريقة مشابهة لتلك التي عثر عليها لاحقًا في دير المنيرة، ما يفتح الباب أمام فرضية انتشار عبادة أنوبيس، إله التحنيط عند المصريين القدماء، في هذه المنطقة المنعزلة.
وفي عام 2004، أعيد مسح الموقع ضمن مشروع شامل لمسح شمال واحة الخارجة، لتتضح معالم شبكة استيطانية قديمة معقدة، كانت ترتبط ببعضها البعض من خلال ممرات قوافل ومسارات عسكرية.
قصر الجب.. منارة الرومان في قلب الصحراء
على بعد 45 كيلومترًا شمال مدينة الخارجة، ينهض قصر الجب -أو عين الجب- كأكبر حصن روماني مكتشف في الواحة. هذا الحصن، المبني على تبة مرتفعة، كان يمثل نقطة استراتيجية فائقة الأهمية خلال العصر الروماني، إذ كان يُستخدم كبرج مراقبة وأحيانًا كمنارة للمسافرين، في وقت كانت فيه الصحراء شاسعة بلا معالم واضحة.
لا تزال جدران الحصن الطينية الضخمة، بسُمك يصل إلى 2.5 متر، تحتفظ بالكثير من ملامحها الأصلية، بما في ذلك الأبراج المستديرة في الأركان، والمداخل التي انهار بعضها بفعل الزمن. يضم الحصن عدة طوابق، كان يستخدم أحدها كسكن للحامية الرومانية، ويتصل عبر درج داخلي بالحاجز العلوي، الذي مكّن الجنود من مراقبة الأفق الصحراوي.
المثير أن قصر الجب ليس منفردًا، بل يتصل بصريًا مع قصر السميرة، الذي يبعد عنه نحو 2.5 كم فقط، ما يدعم النظرية القائلة بأنهما كانا يشكلان منظومة دفاعية مترابطة تخدم طريق القوافل المار بدرب الأربعين.
قصر السميرة.. عندما كانت الواحات محطة للقوافل والإمداد
يبعد قصر السميرة حوالي 43 كم شمال الخارجة، ويُعد من الحصون الرومانية الأصيلة، التي شُيّدت على امتداد الطريق الصحراوي القديم الرابط بين أسيوط وواحة الداخلة. يقع الحصن على أرض مستوية، وتتجاور أطلاله مع بقايا مستوطنة قديمة كانت ذات يوم عامرة، إذ اكتُشفت فيها مؤخرًا آثار بيوت طينية، وأفران، وصوامع حبوب، وأدوات طحن، تشير إلى أن المنطقة كانت مركزًا إنتاجيًا متكاملًا، يجمع بين الصناعة والزراعة وخدمة قوافل التجارة.
يُعتقد أن الحصنين، الجب والسميرة، كانا بمثابة نقطتي ترانزيت مهمتين للمسافرين والتجار، وهو ما تدعمه آثار بئر قديم ونبع مياه لا تزال أطلالهما موجودة، محاطان بأشجار النخيل والسنط، ما يعكس وجود حياة زراعية نشطة سابقة.
قصر اللبخة.. قلعة الطين والحراس والرُسُل الرومانيين
قصر اللبخة، أو عين اللبخة، هو معلم أثري آخر يقع في منطقة استراتيجية شمال منخفض الخارجة، على بعد حوالي 50 كيلومترًا من مدينة الخارجة، حيث تتقاطع طرق القوافل القديمة. تتميز هذه القلعة بأسوارها العالية من الطوب اللبن، التي تصل إلى 12 مترًا، وأربعة أبراج ضخمة في أركانها، ما يمنحها مظهرًا مهيبًا حتى بعد مرور قرون.
تمثل قلعة اللبخة نموذجًا معماريًا فريدًا، يقارب في تصميمه حصن دير المنيرة، وتحيط بها آثار بئر قديم، وقنوات مائية متطورة كانت تستخدم لري الأراضي المحيطة، ما يدل على وجود مجتمع زراعي كبير حول الحصن.
وفي السنوات الأخيرة، أجرى المجلس الأعلى للآثار بالتعاون مع بعثة فرنسية من فريق “ألفا نيكروبوليس” أعمال مسح وتنقيب في أطراف الموقع، أسفرت عن اكتشاف العديد من التماثيل الصغيرة والفخار الروماني، مما يعزز من أهمية المكان كمركز حضاري وعسكري.
دير المنيرة.. حصن المومياوات ونذور أنوبيس
يُعد دير المنيرة أو “حصن الدير” من أكثر المواقع الأثرية أهمية وغموضًا في واحات الوادي الجديد. يقع هذا الحصن على بُعد 23 كم شمال الخارجة و3 كم من قرية المنيرة، ويُعتقد أنه شُيّد في عهد الإمبراطور دقلديانوس أو أحد خلفائه في القرن الثالث الميلادي.
الحصن، الذي يأخذ شكلًا مربعًا، تبلغ أبعاده نحو 75 مترًا، وتحيط به 12 برجًا دفاعيًا متصلًا بحاجز علوي يمكن الوصول إليه عبر سلالم داخلية. وسط الفناء، وُجد بئر ماء كانت تمد الحامية بالمياه، وتتصل بقنوات تروي الحقول الزراعية المحيطة.
في التسعينيات، كشفت أعمال التنقيب عن مناطق دفن واسعة حول الحصن، تضم توابيت من الحجر الجيري ومومياوات بشرية محنطة، وأكفان قبطية ملونة، ومومياوات كلاب قُدّمت كقرابين للمعبود أنوبيس، مما يربط الموقع بقصر الضباشية من حيث الممارسات الجنائزية والدينية.
ومن اللافت أن القوات البريطانية استخدمت هذا الحصن خلال الحرب العالمية الأولى، ما جعله شاهدًا على حقب متعددة من التاريخ العسكري.
قصر البرمودي.. المستوطنة الرومانية المجهولة
في قلب الخارجة، يقع قصر البرمودي، وهو مستوطنة رومانية قديمة تعود إلى القرن الثالث الميلادي، رغم أنه الأقل شهرة بين القصور المذكورة. يضم الموقع قلعة مربعة من الطوب اللبن، ومأوى، وبرج حمام، تشير كلها إلى أنه كان نقطة عسكرية واستراحة في آنٍ واحد.
ورغم قلة التنقيبات الأثرية في الموقع، فإن آثار البرمودي تُكمل سلسلة المواقع الرومانية الممتدة في الواحات، والتي تكشف عن شبكة دفاعية واستيطانية كانت تحرس المداخل الجنوبية لصحراء مصر الكبرى، وتدير خطوط القوافل القادمة من النيل والمتجهة جنوبًا إلى إفريقيا.
بين أنقاض القلاع ورسائل الألوهية.. مستقبل آثار الوادي الجديد
تمثل هذه القصور والحصون والمستوطنات جزءًا نادرًا من التراث الإنساني، ليس فقط في مصر، بل في العالم، لما تحمله من دلائل على التفاعل الحضاري، والممارسات الدينية، والاستراتيجيات العسكرية في بيئة قاسية كالصحراء الغربية. إلا أن أغلب هذه المواقع تعاني من غياب الاهتمام الكافي، وتأخر مشاريع الترميم، وافتقار البنية التحتية السياحية التي يمكن أن تحول هذه الكنوز المخبأة إلى وجهات تراثية عالمية.
ربما آن الأوان لإعادة إحياء هذه المعالم، ليس فقط للحفاظ على الماضي، بل لصياغة مستقبل سياحي وثقافي جديد للوادي الجديد، أرض الأسرار والقصور والمومياوات.
















