في قلب مدينة الغردقة، حيث تمتزج زرقة البحر الأحمر بوهج الشمس وسحر الطبيعة، ينهض “مسجد الميناء الكبير” شامخًا بقبابه البيضاء ومآذنه الشاهقة كأحد أبرز المعالم الدينية والسياحية في محافظة البحر الأحمر. ذلك المسجد الذي بات لا يقتصر دوره على كونه دارًا للعبادة فحسب، بل أصبح محطة رئيسية في الرحلات السياحية، ومقصدًا ثقافيًا وإنسانيًا يشهد يوميًا توافد ما يزيد عن ألف سائح من جنسيات أوروبية وآسيوية مختلفة، ممن يسعون لاكتشاف جماليات العمارة الإسلامية والتعرف على تعاليم الدين الإسلامي في بيئة منفتحة ومرحبة.
تحفة معمارية على ضفاف البحر الأحمر
يطل مسجد الميناء الكبير مباشرة على شاطئ البحر الأحمر بمنطقة الميناء القديمة، ويعد من أكبر وأهم المساجد بمحافظة البحر الأحمر. يمتد على مساحة تبلغ 8 آلاف متر مربع، ويتسع لنحو 7 آلاف مصلٍ، ويضم 35 قبة شاهقة تعكس دقة الطراز الإسلامي وروعة الفن المعماري. وقد صُمم المسجد بعناية فائقة ليكون رمزًا إيمانيًا وحضاريًا، يتناغم فيه البعد الروحي مع الجمال المعماري، ليجذب الزوار من اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدامهم ساحته الواسعة.
ولا يقتصر تميزه على حجمه أو موقعه الجغرافي، بل يشكّل أيضًا علامة بارزة للسفن واليخوت القادمة إلى الميناء، حيث يظهر من البحر كمنارة دينية تطل على المدينة بأجوائها الروحانية المميزة.
رحلات سياحية من الفنادق إلى ساحة المسجد
يشكل المسجد أحد أهم محطات “رحلات الستى تورز” الشهيرة، والتي تنطلق من الفنادق والمنتجعات السياحية لتأخذ السائح في جولة شاملة على معالم المدينة، تبدأ من ممشى الشيرتون والجزر البحرية، مرورًا بحلقة السمك وورش تصنيع المراكب، وتنتهي عند مسجد الميناء الكبير الذي يمثل ذروة الجولة وأكثر محطاتها جذبًا.
ويقول بشار أبو طالب، نقيب المرشدين السياحيين، إن اختيار المسجد كجزء أساسي في هذه الجولات لم يكن وليد اللحظة، بل جاء ضمن خطة مدروسة لإبراز الوجه الثقافي والديني لمدينة الغردقة. ويضيف: “المسجد تحول من معلم ديني إلى مزار سياحي وثقافي مهم، ويستقبل يوميًا نحو ألف سائح من مختلف الجنسيات، بفضل الترويج السياحي والتنسيق المستمر بين الجهات المعنية”.
مركز ثقافي إسلامي متعدد اللغات
وفي عام 2019، خطت محافظة البحر الأحمر خطوة نوعية بتحويل المسجد إلى مزار معتمد رسميًا، وتم إنشاء مركز ثقافي إسلامي داخل المسجد، يضم مجموعة من المتخصصين في العلوم الشرعية والدعوة، ويعمل على تقديم شروحات حول تعاليم الدين الإسلامي ومبادئه بلغة سلسة ومبسطة.
ويقوم المركز باستقبال الوفود السياحية ويقدم لهم معلومات تفصيلية بعدة لغات، منها الإنجليزية والألمانية والروسية، عبر مرشدين وأئمة مؤهلين يتقنون فنون التواصل الثقافي والدعوي، وهو ما يخلق حالة من التفاعل الإيجابي والاحترام المتبادل بين الزائرين والمضيفين.
ويؤكد الشيخ صلاح الشيخ، أحد أئمة المركز الثقافي، أن تجربة زيارة المسجد تتحول بالنسبة للسائح من مجرد جولة دينية إلى تجربة معرفية وروحية مميزة. “نشرح للزائرين رمزية مآذن المسجد وأبوابه التي ترمز إلى أبواب الجنة، ونتحدث عن دور الشبابيك في تحديد مواقيت الصلاة، ونُعرّفهم على فلسفة الفن الإسلامي بوصفه يجمع بين الوظيفة والجمال”، يقول الشيخ.
الزي الشرعي واحترام حرمة المسجد
حرصًا على قدسية المكان وخصوصية طقوس العبادة فيه، تلتزم النساء الزائرات بارتداء “الإسدالات” التي توفرها إدارة المسجد عند الدخول، وهي أثواب خاصة تحترم قواعد الحشمة داخل دور العبادة. وتُخصص غرفة مجهزة لتوزيع هذه الملابس، التي تُغسل وتُعقّم يوميًا لضمان النظافة.
ويُسمح للنساء المحتشمات بدخول المسجد دون الحاجة إلى ارتداء الإسدال، بينما يتم توجيه الأخريات إلى ارتدائه بشكل لطيف ومحترم، مما يعزز من قيمة الانضباط والاحترام داخل المكان دون فرض أو نفور، بحسب ما أوضحه نقيب المرشدين السياحيين.
تجربة روحانية وإنسانية تنتهي بهدية ثقافية
بعد الجولة داخل المسجد وساحاته الواسعة، يتلقى الزوار كتيبات تعريفية حول الإسلام، تُقدَّم بعدة لغات كهدايا تذكارية، تحمل بين صفحاتها رسالة سلام وتسامح، وتدعو إلى التعارف بين الشعوب على أسس من الاحترام المتبادل. وتحتوي تلك الكتيبات على شرح مبسط لأركان الإسلام، وأجوبة عن الأسئلة المتكررة لدى السياح، في محاولة لتقديم صورة واقعية وغير مشوهة عن الدين الإسلامي.
ويقول الشيخ صلاح إن كثيرًا من الزوار يبدون دهشتهم من المعلومات التي يحصلون عليها خلال الجولة، مشيرًا إلى أن بعضهم يطلب العودة لاحقًا لمزيد من التعمق أو لحضور شعائر صلاة الجمعة، بينما يحتفظ آخرون بالكتيبات كذكرى روحية من رحلتهم إلى الغردقة.
تنظيم دقيق لتسهيل الزيارات السياحية
من جانبه، يوضح محمد شكر، منظم رحلات سياحية، أن زيارات المسجد تتم بالتنسيق مع شركات السياحة وشرطة السياحة والآثار، التي تشرف على تنظيم دخول الأفواج وتحديد أوقات الزيارة، مما يضمن سهولة وسلاسة الحركة داخل المسجد، خاصة خلال مواسم الذروة.
ويقول شكر: “نحو ألف سائح يدخلون المسجد يوميًا، ومعظمهم يبدون إعجابهم الشديد بجمال تصميمه وبالأجواء الروحانية التي تحيط بهم، كما أن التفاعل مع الأئمة والمرشدين داخل المركز الثقافي يضيف بُعدًا إنسانيًا وثقافيًا للزيارة، يجعل منها أكثر من مجرد محطة عابرة في برنامج الرحلة”.
مسجد يتحدث إلى العالم بلغته الخاصة
يمثل مسجد الميناء الكبير نموذجًا حيًا لتلاقي الأديان والثقافات، إذ يحتضن الزوار من خلفيات مختلفة بروح منفتحة على الحوار والتفاهم. فبين قبابه الشاهقة وساحاته الرحبة، يتشارك الناس لحظة صمت وتأمل، ويتعرفون على دينٍ يدعو إلى السلام لا العنف، وإلى الرحمة لا القسوة.
ووسط عالم يشهد توترًا متزايدًا بين الثقافات، ينهض هذا المسجد كجسر يربط الشرق بالغرب، ويجسد رسالة مصر في ترسيخ قيم التسامح والتعددية. إنه ليس فقط مسجدًا للصلاة، بل منصة للمعرفة، ومزارًا للعقل والروح، يعيد تعريف السياحة الدينية في القرن الحادي والعشرين.








