دينا زكريا
في زمنٍ أصبح فيه الحب وعدًا مؤجلًا، والاهتمام ترفًا لا يُمنح إلا بشروط، لم تعد القلوب تحتمل عبء التعلّق المؤقت، ولا المشاعر تقوى على التجارب العابرة التي تنتهي دائمًا بكسرٍ داخلي لا يُرى، لكنه يُوجِع.
“أنا لم أطلب منك أن تقترب”… هكذا تبدأ الحكاية التي تتكرر كل يوم بأشكال مختلفة. لم أطلب، لكنك اقتربت. لم أفرض، لكنك وعدت. لم ألزمك، لكنك من بادرت. فهل تراك تفهم أن الاقتراب التام، بلا نية للبقاء، جريمة وجدانية لا تُغتفر؟
■ الاقتراب مسؤولية.. لا مزحة عابرة
العلاقات ليست مزاحًا عاطفيًا، ولا اختبارًا لصبر الآخر. حين تقترب من أحدهم، وأنت تعلم بداخلك أنك لن تقدر على الاستمرار، فأنت لا تختلف كثيرًا عمّن يُلقي بحبل إنقاذ وهمي، ثم يقطعه فجأة بعد أن يتعلق به الآخر بكل ثقله، متخيلًا أنه الأمان.
أن تَعِد ثم تغيب، أن تسأل ثم تختفي، أن تهتم ثم تُهمل، أن تُحب ثم تتراجع… كلها تصرفات قد تراها أنت عادية، لكنها عند الطرف الآخر تُبنى عليها أحلام، آمال، بل وربما حياة كاملة.
■ نحن لا نشحذ الاهتمام
ليس من حق أحد أن يلوم من يُقرر أن يبتعد، ليس لأن الحب لا يعنيه، بل لأن الوجع أصبح أكبر من طاقته. من حق كل إنسان أن يحمي نفسه من التعلّق، أن يفرض مسافات احترازية تمنعه من السقوط الحر.
فمن قال إننا نطلب الحب؟ نحن فقط نطلب الصدق. لا نبحث عن الكلمات المنمقة، ولا نلهث خلف الاهتمام الزائف. نريد فقط من يكون صادقًا فيما يقول، مسؤولًا فيما يعد، حقيقيًا في كل فعلٍ صغير قبل أن يكون في أي وعدٍ كبير.
■ لا تربطني بحبال من دخان
من العبث أن تربطني بكلمات دافئة ثم تُخلف وعدك. من الظلم أن تُشعرني بأنك الأمان ثم تتركني أسقط فجأة دون تمهيد. فأنا لم أكن أطلب الكثير، فقط أن يكون كلامك على قد نيتك، لا أكثر.
تعلم أن العلاقات تُبنى، لا تُلعب. أن المشاعر كيان حي، لا تجربة عابرة. أن من تمنحه جزءًا من قلبك، يستحق أن تمنحه كل وضوحك، لا نصف نواياك.
■ الكلمة حياة.. لا تُطلقها إن لم تكن تعنيها
“إذا كانت كلمتك بالنسبة لك مجرد كلمة، فهي عند غيرك حياة وأمل يعيش عليه”. جملة يجب أن تُكتب على كل قلبٍ يوشك أن يتكلم دون تفكير.
فالقلوب، يا عزيزي، لا تُكسر في ضجيج العتاب، بل في صمت الخذلان. حين ينتظر أحدهم عودتك فلا تعود، حين تترك سؤالًا دون إجابة، واهتمامًا بلا استكمال، ووعدًا بلا وفاء.
■ الصدق قبل العشق.. وإلا فالرحيل أولى
ليس عيبًا ألا تُحب، لكن العيب أن تدّعي الحب وأنت غير قادر على تحمّل تبعاته. ليس عيبًا أن تخاف من الالتزام، لكن العيب أن توهم غيرك بالثبات بينما قلبك متردد وخطاك مُرتبكة.
العشق الحقيقي يبدأ بالصدق، لا بالمشاعر المؤقتة، ولا باللعب على حبال الأمل الواهية. فإن لم تكن صادقًا، فلا تقترب. وإن اقتربت، فلا تخذل. وإن وعدت، فلا تُخلف.
🔺 في الختام:
نحن لا نُطالب أحدًا بالبقاء قسرًا، لكننا نطلب فقط ألا تقترب إن لم تكن أهلًا للمسؤولية. لا تفتح بابًا لا تنوي عبوره، ولا تزرع وردًا في قلب أحدهم لتتركه يذبل بلا ماء. فالعلاقات ليست لعبة، والمشاعر ليست أوراقًا في مهبّ التجربة، وقلوب البشر ليست ساحات عبور مؤقتة.
كن قد كلامك، أو اجعل كلامك على قدّك.




