دينا زكريا
في زوايا هادئة من محافظة الشرقية، حيث لا يزال الزمن يحمل عبق التراث، تتردد طرقات خفيفة على قطع خشبية صغيرة، سرعان ما تتحول إلى وجوه مألوفة من الذاكرة الشعبية: خفير يرتدي جلبابه ويحمل بندقيته، بائعة عرقسوس تسير بخفة بين المارة، فلاحة شرقاوية تحمل البلاص على رأسها، بابور الجاز، ولمبة الزيت. هنا، لا تُصنع العرائس الخشبية في مصانع ضخمة أو خطوط إنتاج آلية، بل تُولد على يد فنانين يخطّون ملامحها بأنامل ذهبية وروح مخلصة لفنّ يكاد يندثر.
على مدار نصف قرن، تفرّدت الشرقية بحرفة نحت العرائس الخشبية التي تحاكي رموز التراث الشعبي المصري، لتتحول إلى تحف فنية تلامس الوجدان، وتجذب أعين السائحين الذين يبحثون عن القطعة النادرة، وعن القصة المختبئة داخل الخشب المنحوت.
عبدالسلام سلام.. حارس الفن الوحيد في ورشة العرائس
بين هؤلاء الحرفيين القلائل، يبرز اسم عبدالسلام سلام، المعروف بين أهل بلدته بلقب “عبدَه”، والبالغ من العمر 70 عامًا. في ورشته الصغيرة التي تمتلئ برائحة الخشب والزمن، يواصل عبدَه عمله في نحت العرائس التي تروي حكايات الريف المصري، ويقول بابتسامة هادئة:
“هذه الورشة الوحيدة الباقية التي تعمل في خراطة العرائس الخشبية يدويًا… تعلمت هذا الفن من جدي وأنا طفل صغير، قبل أن تظهر الماكينات، كنت أقف لساعات أراقب كيف يتحول الخشب إلى روح.”
ورشة عبدَه ليست مجرد مكان عمل، بل مرسم تقليدي يحتضن ذاكرة فنّ عتيق. يبدأ عمله باختيار الخشب بعناية، ويفضّل خشب شجرة البرتقال لما يتمتع به من متانة وسهولة في التشكيل، كما أنه يتحمل الزمن ولا يتشقق. بعد تسوية الخشب وتقطيعه مبدئيًا باستخدام الماكينات، يتولى عبدَه مهمة التشكيل باستخدام أدوات خراطة دقيقة، ليخرج في النهاية منتجًا يمثل قطعة تراثية فريدة.
وعن التعاون مع فنانين آخرين، يقول:
“أقوم بتنفيذ الشكل الأساسي للعرائس، ثم يتولى الفنانون التشكيليون مهمة التلوين… كل قطعة تمر بعدة مراحل، لكنها تظل في النهاية عملًا يدويًا خالصًا يحمل لمسة القلب قبل اليد.”
غالي أحمد.. المبدع الذي نحت التاريخ بقطرٍ رفيع
على بعد أمتار من ورشة عبدَه، يعيش الفنان غالي أحمد، أحد أعمدة هذا الفن، والبالغ من العمر 78 عامًا. ما زال غالي يحتفظ بحيويته ودهشته كلما بدأ قطعة جديدة. ورغم تقدمه في السن، ما يزال يفضل العمل بيده، ويتعامل مع كل شخصية كما لو كانت أول مرة.
غالي، الذي يُعد أحد مؤسسي هذا الفن في الشرقية، يقول:
“أستخدم القلم الرصاص أولًا لتحديد الملامح، لأن الوجه هو ما يجذب الناس… ثم أبدأ في نحت الجسد باستخدام قطر دقيق جدًا، حتى أتحكم في التفاصيل الصغيرة التي تمنح كل عروسة طابعًا خاصًا.”
ما يميز تجربة غالي أنه لا يكتفي بالنحت، بل طوّر آلة بسيطة من تصميمه، يثبت عليها جسم العروسة الخشبية بحيث يستطيع تلوينها دون لمسها، ما يحافظ على نعومة الخشب ونقاء الألوان.
“الابتكار مهم في الحرف اليدوية… هذه الآلة ساعدتني في تثبيت القطعة أثناء التلوين، خصوصًا أن بعض التفاصيل صغيرة ولا تحتمل الأخطاء.”
حين تصبح العرائس سفيرة لتراث القرية
تتنوّع الشخصيات التي يصنعها الفنانون بين رجال ونساء يمثلون الحياة اليومية في الريف المصري، بداية من الخفير، بائع الفول، بائعة اللبن، الحلاق، الفلاحة، الطفل في المدرسة، وحتى مشاهد الحياة في الحقول. هذا التنوع جعل العرائس الخشبية ليست مجرد مشغولات فنية، بل سردًا مفتوحًا لذاكرة المجتمع المصري.
السائحون الأجانب، خاصة من دول أوروبا وآسيا، يبدون انبهارًا كبيرًا بهذه العرائس، ويعتبرونها قطعًا فنية تروي جزءًا من روح المكان. ويؤكد عبدَه أن الكثير من الزوار يطلبون حكاية كل شخصية قبل اقتنائها، ويأخذونها معهم كتذكار من مصر الشعبية التي لا تظهر في الفنادق أو المدن الكبرى.
الاندثار يهدد الحرفة… واليدوية هي العائق والكنز
رغم عراقة هذه الحرفة، فإنها اليوم تقف على حافة الانقراض. عدد العاملين فيها قليل للغاية، بسبب اعتمادها الكامل على العمل اليدوي، وغياب الورش الكبيرة أو المدارس التي تنقل المهارات للأجيال الجديدة.
ويقول غالي أحمد بأسى:
“الشباب اليوم لا يصبرون على الحرف اليدوية… يريدون الربح السريع، لكن هذا الفن يحتاج وقتًا وطاقة وحب.”
ويضيف عبدَه:
“نحن نعمل من القلب، لا نُنتج بالعشرات مثل المصانع، لكن كل قطعة تحمل روحها الخاصة… ولهذا لا تزال تُقدَّر.”
الدولة تتحرك: حرفة العرائس الخشبية على منصات الإحياء
في إطار اهتمام الدولة بإحياء الحرف التراثية، تم مؤخرًا إدراج صناعة العرائس الخشبية ضمن قائمة الحرف اليدوية الأساسية المعتمدة في المنصات الرسمية. وتم عرض أعمال الفنانين المشاركين في معارض محلية ودولية، مما أسهم في تعريف الجمهور بهذا الفن وإعطائه دفعة معنوية لاستكمال المسيرة.
وشهدت بعض المعارض، خاصة في القاهرة والإسكندرية، إقبالًا كبيرًا على شراء العرائس الخشبية، وبدأ عدد من المصممين الشباب في الاهتمام بإدخال لمسات عصرية على الشخصيات، دون أن تفقد طابعها الأصيل.
الخشب الذي لا يموت
في النهاية، يظل فن العرائس الخشبية أكثر من مجرد حرفة، إنه تعبير حي عن التراث، ومقاومة صامتة للنسيان. في ورش صغيرة تختبئ خلف البيوت، وفي أيدي رجال تجاوزت أعمارهم السبعين، ينبض خشب البرتقال بالحياة، ويروي قصة مصر من خلال شخصياتها البسيطة، وأدواتها اليومية، ونبضها الشعبي الذي لا يعرف الزوال.
ربما لا يطرق الإعلام كثيرًا أبواب هؤلاء الفنانين، لكنهم يواصلون مهمتهم في حفظ الذاكرة، قطعة بعد أخرى، عروسة بعد عروسة.









