تحقيقات وملفات

من الطين إلى الكرامة: كيف غيّر مشروع “سكن كريم” وجه قرية التل الزوكي في قلب صعيد مصر

في عمق الريف المصري، حيث تمتد الحقول الخضراء وتتعانق الجبال مع السماء، وفي منطقة طالما عانت من الإهمال والتهميش، بزغ فجر جديد يحمل في طياته الأمل والكرامة. في محافظة سوهاج، وتحديدًا في قرية “التل الزوكي”، تحوّلت الأحلام القديمة إلى واقع ملموس بفضل مشروع “سكن كريم” الذي جاء ضمن المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، وهي المبادرة التي أعادت رسم ملامح القرى المصرية، وجعلت من الريف مركزًا للتنمية المستدامة لا مجرد أطراف منسية في خارطة الدولة.

المبادرة التي بدّلت المفاهيم: “حياة كريمة” من شعار إلى إنجاز

حين أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي مبادرة “حياة كريمة” في عام 2019، لم يكن كثيرون يدركون أن هذه الخطوة ستشكل نقطة تحوّل جذرية في مسار التنمية بمصر. فالمبادرة، التي جاءت كرد على سنوات طويلة من الفقر والإهمال، تجاوزت الشعارات إلى خطوات عملية غير مسبوقة، شملت كافة مناحي الحياة، من البنية التحتية والتعليم والصحة، وصولًا إلى توفير سكن إنساني كريم.

في هذا السياق، وُلد مشروع “سكن كريم” ليكون أحد أعمدة المبادرة، حاملاً على عاتقه مهمة إعادة تأهيل وبناء منازل الفئات الأكثر احتياجًا، في قرى كانت تعيش على هامش الحياة. وكان من نصيب قرية التل الزوكي أن تكون إحدى أولى المحطات التي تحتضن هذه التجربة الإنسانية العميقة.

قرية التل الزوكي: منسية على أطراف الخريطة.. حتى جاء التغيير

قرية “التل الزوكي”، التابعة لمركز طما شمالي محافظة سوهاج، لطالما مثّلت نموذجًا مصغرًا لحال الريف المصري في الماضي: بيوت متصدعة من الطين، غياب شبه تام للمرافق الأساسية، طرق غير ممهدة، وشباب يهاجرون بحثًا عن لقمة العيش في المدن البعيدة.

لكن مع انطلاق مشروع “سكن كريم”، تغيّرت المعادلة كليًا. القرية التي كان يُشار إليها على الخريطة من باب الشفقة، باتت اليوم تُضرب بها الأمثال في الإنجاز والتنمية. فقد تم تنفيذ المشروع فيها بنسبة إنجاز بلغت 100%، وافتتحت خمس عمارات سكنية حديثة، تضم 40 وحدة مجهزة بأحدث المرافق والخدمات.

أبعاد المشروع: ليس مجرد سكن.. بل فلسفة حياة

ما يميز مشروع “سكن كريم” أنه لم يكتفِ بتشييد جدران وسقوف، بل حمل فلسفة متكاملة تنظر إلى السكن كحق إنساني أصيل، وكبداية لسلسلة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية. الوحدات السكنية شُيدت بمعايير تحترم طبيعة الريف، لكنها تتماشى أيضًا مع مقومات الحياة العصرية، من مياه نقية وكهرباء وصرف صحي وتشطيبات داخلية مريحة.

لكن المفاجأة الكبرى، والتي حملت دلالة عميقة، كانت في إنشاء 40 حظيرة، بواقع حظيرة واحدة لكل وحدة سكنية، ليُتاح للأسر تربية الطيور والمواشي. هذه الخطوة البسيطة في ظاهرها، كانت بمثابة نقلة اقتصادية للأسر الفقيرة، التي باتت تملك مصدر دخل ثابت، دون أن تغادر حدود منزلها.

من الطين إلى الأمل: حكايات ناس التل الزوكي

في شوارع القرية، يمكن أن ترى الفرق بعينك المجردة. لم تعد الطرق ترابية موحلة، بل تم رصفها لتناسب حركة الأطفال والعجائز والطلاب والعمال. ولم يعد صوت العصافير مختلطًا بصدى الحفر والمياه الراكدة، بل أصبح يغني مع ضحكات الأطفال وهم يركضون إلى مدارسهم القريبة.

صلاح عبد الجواد، أحد المستفيدين من المشروع، يقول:

“كنت عايش في بيت من الطين، سقفه كان خشب وبيخر علينا في الشتاء. كنا بننام على الأرض، والبرد كان بيخلينا نصحى قبل الفجر. دلوقتي بقينا في شقة فيها حمام ومطبخ، وحظيرة بنربي فيها فراخ وبط. يعني مش بس عايشين أحسن، لأ كمان بنأكل من خير بيتنا.”

هذه ليست حالة فردية، بل نموذج يتكرر في حكايات العشرات من سكان القرية، ممن انتقلوا من حياة لا تليق بالبشر، إلى منازل تليق بالكرامة الإنسانية.

نجاة حسين، ربة منزل وأم لأربعة أطفال، تضيف:

“كنت دايمًا بخاف على ولادي، البيت القديم كان بيتهد علينا. دلوقتي كل واحد فيهم عنده سرير، والمطبخ نظيف، والميه واصلة لحد جوه. والأهم من كده، إننا ما بقيناش حاسين إننا أقل من حد.”

السكن المُنتِج: حين يتحول البيت إلى مصدر دخل

فكرة دمج الحظائر مع الوحدات السكنية لم تكن مجرد صدفة. القائمون على المشروع أدركوا أن الاستدامة الاقتصادية لا تتحقق إلا بتمكين الأسر من الإنتاج، لا مجرد الاستهلاك. فبدلًا من الاكتفاء بتوفير مأوى، تم منح كل أسرة إمكانية بدء مشروع صغير داخل حدود منزلها.

هذا المفهوم المبتكر للسكن المنتج، جعل مشروع “سكن كريم” يتجاوز كونه مشروع إسكان إلى أن يصبح أداة تمكين اقتصادي، تسهم في القضاء على البطالة، وتحسين دخل الأسر، وتقليل الاعتماد على المساعدات.

التنمية المتكاملة: من الأرض إلى السقف

لم تكن المساكن وحدها محور التطوير. المشروع شمل أيضًا تحسين البنية التحتية للقرية بالكامل، من رصف الشوارع، وإنارة الممرات، وتمهيد الطرق المؤدية إلى المدارس والمراكز الطبية، وصولًا إلى توفير خدمات الصرف الصحي ومياه الشرب النقية.

بفضل هذا التكامل، لم يشعر السكان بأنهم نُقلوا من الطين إلى الأسمنت فقط، بل شعروا أن قريتهم أصبحت مكانًا صالحًا للعيش الكريم، كما وصف أحدهم: “بقينا بنقول لأول مرة: إحنا عايشين مش بنعيش.”

من الريف تبدأ الجمهورية الجديدة

المتابع لتوجهات الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، يدرك أن ما يحدث في الريف ليس ترفًا سياسيًا، بل هو جوهر “الجمهورية الجديدة” التي أعلنت القيادة السياسية عن انطلاقها. فالنهضة التي بدأت من القرى، تعكس تحولًا جذريًا في فلسفة التنمية، والتي باتت تنطلق من الإنسان واحتياجاته الأساسية، لا من الموازنات والخرائط البيروقراطية.

مشروع “سكن كريم” في التل الزوكي، بكل تفاصيله، يشكّل صورة مصغّرة لهذا التحول الكبير. إنه تجسيد عملي لتوجيهات القيادة، التي لم تكتفِ بالشعارات، بل وضعت التنمية على الأرض، في بيوت الناس، في مدارس أولادهم، وفي مواسير مياههم، وفي حظائر طيورهم.

التحديات والرهانات: هل يستمر النجاح؟

بطبيعة الحال، نجاح المشروع في التل الزوكي يطرح سؤالًا أكبر: هل يمكن تعميم هذه التجربة على باقي قرى مصر؟ وهل يمكن الحفاظ على هذا النجاح بعد انتهاء العمل الرسمي؟

الإجابة تكمن في المجتمع المحلي نفسه. فاستدامة الإنجاز تتطلب وعيًا جماعيًا، والتزامًا من الأهالي بالمحافظة على ما تحقق، سواء من نظافة، أو صيانة، أو استغلال أمثل للفرص الاقتصادية التي توفرت لهم.

كما أن دور المؤسسات التعليمية والدينية في القرية لا يقل أهمية عن دور الجرافات والمقاولين. فالتنمية الحقيقية تبدأ من تغيير العقلية، وتقدير النعمة، والإصرار على التقدم.

سكن كريم.. وقرية تستحق الحياة

حين تمر اليوم بقرية التل الزوكي، قد لا تلاحظ الفرق من النظرة الأولى، فالقرى لا تملك أبراجًا شاهقة أو ناطحات سحاب. لكنك ستشعر أن المكان ينبض بالحياة. سترى أطفالًا يذهبون إلى مدارسهم بملابس نظيفة، وأمهات يزرعن أمام بيوتهن الورود، وآباءً يجلسون مطمئنين على عتبات منازلهم الجديدة.

هذا هو الإنجاز الحقيقي. ليس فقط الطوب والأسمنت، بل الطمأنينة، والكرامة، والإحساس بأن أحدًا أخيرًا اهتم بهؤلاء الناس. أن الدولة مدت يدها إلى عمق الريف، وقالت لأهله: أنتم هنا، أنتم مهمون، أنتم تستحقون الحياة.

في جمهورية جديدة تُبنى من الأساس، يبدأ الطريق من قرية صغيرة تُدعى التل الزوكي، حيث ارتفع سقف البيت… وسقف الحلم أيضًا.

حجرة بالسكن
حجرة بالسكن
الشقة من الداخل
الشقة من الداخل
المطبخ بالسكن
المطبخ بالسكن
السكن والحظيرة الملحقة
السكن والحظيرة الملحقة
الوحدات السكنية
الوحدات السكنية
سكن كريم بالتل الزوكى
سكن كريم بالتل الزوكى

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى