محافظات بلدنا

قصران من زمن الجمال: “محمد علي” و”شحاته سليم” أيقونتان معماريتان في قلب السويس… صور

دينا زكريا

رغم أن محافظة السويس تُعرف لدى كثيرين بوصفها إحدى قلاع الاقتصاد المصري بفضل موقعها الإستراتيجي على ضفاف قناة السويس، إلا أن هذه المدينة الساحلية تحمل بين طياتها صفحات من الجمال والتاريخ، متمثلة في معالمها التراثية والمعمارية التي لا يعرفها الكثيرون، وفي مقدمتها قصر محمد علي وقصر شحاته سليم، وهما من أبرز الشواهد الحية على عراقة المدينة وثرائها الفني والمعماري.

ففي مدينة لم يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، تحتفظ السويس بكنوز أثرية وسياحية خلابة، تروي قصصًا من الماضي المجيد، وتكشف عن تفاصيل فنية دقيقة لطراز معماري يجمع بين الأصالة والحداثة، بين الروح الشرقية والطابع الأوروبي، في انسجام يسرّ الناظرين ويبهج الزائرين.


قصر شحاته سليم.. تحفة معمارية تستلهم الفن الإسلامي والأوروبي

في قلب المدينة، عند تقاطع شارعي 23 يوليو وخالد بن الوليد، يقع قصر شحاته سليم، أحد أرقى القصور التي شُيّدت في عشرينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1928. أنشئ القصر على يد مجموعة من المعماريين والفنانين الإيطاليين، ليجسد مزيجًا فريدًا بين العمارة الأوروبية الرفيعة والطابع الإسلامي الأصيل.

يتكون القصر من طابقين وحديقة فسيحة تحيط به من الجهات كافة، وهو محاط بسور من الحديد الخالص، صُنع من دون استخدام أي لحام، في تقنية نادرة تماثل تلك التي بُني بها برج إيفل في باريس وكوبري إمبابة في القاهرة. ويُعتبر هذا السور في حد ذاته قطعة فنية قائمة بذاتها، تعكس مدى التقدم الصناعي والفني الذي استخدم في تشييده.

وعلى مداخل القصر الرئيسية، تقف تماثيل ضخمة لنسرين مجنحين، وكأنهما حارسا القصر الأبديان، يشهدان على روعة التصميم ودقّة النحت. أما الواجهات الخارجية، فتزدان بزخارف نباتية، ونقوش قبطية وإسلامية، نُحتت بدقة فائقة، فيما تزيّن نوافذ الطابق الأرضي مجسمات لطائر باسط جناحيه، في مشهد يوحي بالقوة والانطلاق.

أما من الداخل، فقد صُممت الأرضيات من الرخام الفاخر، بينما جاءت سلالم الدور الأرضي من نفس المادة، مقابل سلالم الدور العلوي التي صُنعت من الخشب المصقول بعناية، مع درابزينات نحاسية نُفذت بتقنيات دقيقة تعكس مهارة الفنانين الإيطاليين الذين استعان بهم شحاته سليم لإنجاز هذا المشروع المعماري الفريد.

الأسقف داخل القصر ليست أقل فخامة، إذ تم تزيينها بزخارف جصّية متقنة الصنع، تعكس ذوقًا رفيعًا وثقافة فنية عميقة، الأمر الذي جعل من القصر تحفة نادرة ومزارًا سياحيًا يستحق التأمل.

89017 احد جنبات القصر


قصر محمد علي باشا.. حينما تنطق الجدران بتاريخ مصر العسكري

وعلى الجانب الآخر من المدينة، وتحديدًا على ساحل ميناء الخور القديم، يقف قصر محمد علي باشا شامخًا في وجه الزمن، محتفظًا بوقاره التاريخي، وسحره المعماري الذي يعود لعام 1811. شُيّد القصر ليكون مقرًا استراتيجيًا لمحمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، أثناء تجهيز الجيش المصري لحملاته العسكرية.

يتكون القصر من طابقين، تتوسطه قبة خشبية تزين الجزء الشرقي من المبنى. وداخل القاعة الواقعة أسفل القبة، عقد محمد علي اجتماعاته الحربية مع أبنائه، إبراهيم وطوسون، لإدارة المعارك وتحديد المسارات السياسية والعسكرية. من هذا المكان، رُسمت خرائط الحرب، ووضعت خطط بناء الأسطول المصري، إذ وقف الباشا بنفسه على شاطئ السويس المقابل للقصر، لمتابعة إنشاء أولى سفن الأسطول الوطني.

لم يقتصر القصر على الدور العسكري فقط، بل امتد تأثيره إلى الحياة المدنية، ففي عام 1868، استُخدم جزء من المبنى كمقر ثانٍ لأقدم محكمة شرعية في مصر. ومع تطور الزمن، تحول القصر إلى مقر رسمي لديوان عام محافظة السويس عام 1958، وتم تقسيمه إلى عدة أقسام إدارية؛ فاحتضن الدور الأرضي إدارات المرور وقسم الشرطة والمحكمة الشرعية، بينما شغل قسم السويس والمباحث الجنائية الدور العلوي.

ظل القصر مركزًا إداريًا مهمًا حتى أوائل الثمانينات، حين نُقلت الجهات الرسمية إلى مبانٍ جديدة، مما أدى إلى إخلاء القصر وتحويله إلى مبنى مهجور، رغم قيمته التاريخية الكبيرة. ومنذ ذلك الوقت، ظل القصر يعاني الإهمال، رغم محاولات خجولة لإنقاذه من الاندثار.


بين الحاضر والماضي.. ضرورة إنقاذ كنوز السويس المعمارية

يُعد قصر محمد علي وقصر شحاته سليم من الشواهد النادرة على ثراء السويس الثقافي والتاريخي. فبين جدران هذين القصرين، تختبئ حكايات عن مصر التي صنعت التاريخ، وتعايشت مع الفنون، واحتضنت الجمال بكل أشكاله. لكن، وعلى الرغم من هذه القيمة الفريدة، لا يزال القصران يعانيان من الإهمال وغياب الرؤية الكافية للاستفادة منهما في السياحة الثقافية.

إن تحويل مثل هذه المعالم إلى مراكز ثقافية، أو متاحف مفتوحة، أو حتى مزارات سياحية تدر دخلًا على المدينة وتعيد إليها ألقها، هو ضرورة ملحّة في ظل ما تمتلكه السويس من إمكانيات هائلة غير مستغلة بالشكل الأمثل.

فهل تعود الحياة إلى هذه القصور العتيقة يومًا؟ وهل نرى مبادرات رسمية أو شعبية لإحياء هذه التحف المعمارية؟ الإجابة مرهونة بإرادة من يؤمن أن التاريخ لا يُحفظ بالكلام، بل بالفعل.

قصر_محمد علي
قصر_محمد علي
قصر_محمد علي (1)
قصر_محمد علي (1)
قصر-محمد-علي (1)
قصر-محمد-علي (1)
قصر_محمد_علي (1) (1)
قصر_محمد_علي (1) (1)
محمد_علي (1)
محمد_علي (1)
النسر المجنح
النسر المجنح
احد جنبات القصر
احد جنبات القصر
قصر شحاته سليم
قصر شحاته سليم

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى