في مشهدين متكاملين ينبضان بالأمل، جسّد طالبان من محافظة الشرقية أروع معاني الإرادة والتفوق، حيث خطّ محمد رضا ويوسف أبو القاسم سطورًا استثنائية في سجل النجاح الأزهري لهذا العام، وسط إشادات واسعة بقصتيهما اللتين ألهمتا الكثيرين داخل مصر وخارجها.
محمد رضا.. الكفيف الذي قرأ 300 كتاب وحلم بأن يصافح شيخ الأزهر
لم تمنعه الإعاقة البصرية من أن يرى طريقه بوضوح نحو القمة، فمحمد رضا، الطالب الكفيف ابن قرية أنشاص الرمل بمركز بلبيس في الشرقية، استطاع أن يثبت أن البصيرة أقوى من البصر. وُلد محمد فاقدًا للنور، لكنه امتلك نور العلم، فبدأ حفظ القرآن الكريم في سن الثالثة، وأتمه كاملاً وهو في التاسعة، ثم انطلق في دراسة علوم التجويد والقراءات.
سار على خطى النبي الكريم ﷺ، واستلهم قوته من سير الكبار وعلى رأسهم فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، الذي يحلم محمد بلقائه ومصافحته تقديرًا لمكانته في قلبه.
لم يكن الطريق إلى التتويج سهلاً، بل شق محمد طريقه من معهد قريته، ثم صعد إلى تصفيات إدارة بلبيس، فمسابقة محافظة الشرقية، وصولًا إلى التصفيات النهائية على مستوى الجمهورية، حيث خاض “تحدي القراءة العربي”، وهو التحدي الذي يشترط قراءة وتلخيص 25 كتابًا، لكن محمد قرأ أكثر من 300 كتاب، وأعد ملخصات لها بمستوى لغوي رفيع، ما جعله يحصد المركز الأول على مستوى الجمهورية.
كرّمه الأزهر الشريف في احتفال رسمي بمركز الأزهر للمؤتمرات بالقاهرة، بحضور عدد كبير من القيادات، وعلى رأسهم الدكتور السيد أحمد الجنيدي، رئيس الإدارة المركزية لمنطقة الشرقية الأزهرية، الذي وصف محمد بأنه “نموذج حي للتحدي والطموح الذي لا يعرف المستحيل”.
وأكد الجنيدي أن الأزهر يولي اهتمامًا خاصًا بالطلاب من ذوي الهمم، ويحرص على دمجهم وتمكينهم في كافة الأنشطة التعليمية والثقافية، مشيرًا إلى أن فوز محمد يتجاوز مجرد الجوائز، بل يرسّخ لقيمة الإنسان حين يواجه التحديات بإرادة وعلم. وشمل التكريم أيضًا عددًا من القيادات التعليمية الذين ساهموا في اكتشاف موهبة محمد، من بينهم فاطمة سويلم، مدير إدارة المكتبات، والدكتورة الشيماء طنطاوي، مدير إدارة الخطة والمنهج، ومحمود نصر الله، مدير إدارة بلبيس الأزهرية.
يحلم محمد بأن يصبح داعية إسلاميًا يجوب العالم، ناشرًا رسالة الإسلام السمحة، مقتفيًا أثر عظماء التلاوة المصرية مثل الشيخ مصطفى إسماعيل، ومحمد رفعت، والمنشاوي، ليكتب فصلًا جديدًا في حكاية التفوق والبصيرة.
يوسف أبو القاسم.. يتيم الأب الذي رسم النجاح بـ”98%” واحتفت به البلدة بطبل ومزمار
في زاوية أخرى من محافظة الشرقية، وتحديدًا وسط أجواء تغمرها الزغاريد، خاض الطالب يوسف أبو القاسم قصة نجاح لا تقل إلهامًا. حصل يوسف على نسبة نجاح بلغت 98% في الثانوية الأزهرية، رغم ما واجهه من تحديات بعد فقدانه والده في وقت مبكر من حياته.
وجاء الاحتفاء بيوسف استثنائيًا، حينما نظّم له أعمامه وأفراد عائلته احتفالًا مميزًا بطبل ومزمار بلدي فور إعلان النتيجة، تعبيرًا عن فخرهم بتفوقه، ليصبح مشهد الفرح العائلي مادة مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انتشر فيديو يوثّق لحظة الفرح والبكاء معًا، في مشهد صادق لاقى تفاعلًا واسعًا.
قصة يوسف باتت مصدر إلهام للكثيرين، حيث أثبت أن فقدان الأب لم يمنعه من تحقيق حلمه، بل جعله أكثر إصرارًا على التفوق، وأكد أن العزيمة قادرة على اجتياز أصعب الظروف.
تتجاوز قصتا محمد ويوسف حدود النجاح الأكاديمي، لتصبحا رمزًا للإنجاز الحقيقي حين تقترن الإرادة بالعلم، وحين يتغلب الإنسان على قيوده الذاتية والظروف المحيطة. محمد ببصيرته التي رأت ما لم يره المبصرون، ويوسف بعزيمته التي انتصرت على اليُتم والوجع، شكّلا معًا لوحة إنسانية مضيئة تعكس رسالة الأزهر في دعم التفوق والاحتفاء بالتميز، أيًا كانت الطريق التي قادت إليه.





