
منذ كان طفلاً لم يتجاوز السابعة من عمره، جلس العم نبيل فؤاد أمام النول اليدوي، يراقب أصابع والده وأعمامه وهي تتحرك بخفة ودقة لتنسج “الفركة”، ذلك الشال التراثي الذي ارتبط اسمه بمدينة نقادة بمحافظة قنا، وامتد أثره حتى أم درمان بالسودان. لم يكن الأمر مجرد مهنة، بل إرث قديم ممتد من أيام الفراعنة، وصنعة متوارثة جيلًا بعد جيل، تنبض بروح الماضي وتقاوم الزمن حتى يومنا هذا.
إرث الأجداد على النول
“الفركة” ليست مجرد قطعة قماش، بل حكاية حضارة وصبر ويد تتقن العمل. النول المستخدم في صناعتها، بأجزائه القديمة التي لم تطلها الحداثة، يكشف عن أصالة هذه الحرفة. يجلس الصانع ساعات طويلة أمام خشبات النول، ممسكًا بالمكوك الذي يحمل الخيوط، لينسج بخيوطه الملونة شالًا يحمل عبق التاريخ.
يقول العم نبيل: “تعلمت الصنعة منذ السابعة، كنا أسرة كاملة نعمل في صناعة الشال اليدوي على النول. لم نكن نعرف الماكينات، كل شيء كان يتم يدويًا، بالصبر والدقة والحرص على الإتقان.”
نصف قرن بين قنا وأم درمان
قضى العم نبيل أكثر من نصف قرن متنقلًا بين قنا وأم درمان، يحمل معه أسرار المهنة التي شكلت مصدر رزق لمئات الأسر. فمدينة قنا اشتهرت بتصدير الفركة إلى السودان، حيث ارتبط الشال بطقس شعبي أصيل هناك. يوضح العم نبيل: “كانت الفركة تُرسل بكميات كبيرة إلى السودان، خاصة إلى أم درمان. هناك كانت العروس ترتديها قبل يوم الزفاف، وكذلك السيدات بعد الولادة، كنوع من التبرك والاحتفاء بالمناسبة.”
هذا الطلب الكبير جعل المهنة مزدهرة لعقود طويلة، وأسهم في تشغيل عدد كبير من أبناء قنا، حتى باتت نقادة مركزًا رئيسيًا لصناعة الفركة التي عُرفت بجودتها ومتانتها.
صناعة تراثية تقاوم الزمن
رغم مرور الزمن وتطور الصناعات النسيجية، ما زالت الفركة صامدة كواحدة من الحرف التراثية النادرة. ويؤكد العم نبيل أن النول يتكون من عدة أجزاء، أبرزها “المكوك”، وهو الأداة الأساسية في عملية النسج. ومع تنوع الألوان والخيوط، تطورت الفركة اليوم لتخاطب الأسواق السياحية، فأصبح إنتاج الشال السياحي يلقى رواجًا بين الزائرين.
يضيف العم نبيل: “أعمل بالأجرة اليومية لدى أحد الصناع، وهو بدوره يبيع منتجاته في السوق المحلي وللسياح. ورغم التعب، فإن متعة هذه الصنعة لا تقدر بثمن، فهي جزء من هويتنا.”
الفركة في مواجهة الأزمات
الحياة لم تخلُ من المصاعب، فمع اندلاع الحرب في السودان اضطر العم نبيل للعودة إلى قنا، تاركًا وراءه أم درمان التي عاش فيها سنوات طويلة. لكنه لا يخفي حنينه ورغبته في العودة إليها مجددًا: “حين تهدأ الأوضاع ويبدأ تسيير الرحلات من مصر إلى السودان، سأعود إلى هناك. الفركة جزء من تراثهم كما هي جزء من تراثنا، ولها مكانة كبيرة في قلوب السودانيين.”
حكاية تتوارثها الأجيال
ما بين الماضي والحاضر، تظل الفركة أكثر من مجرد شال. هي حكاية صبر وذاكرة أجيال، وصنعة قاومت الاندثار بفضل رجال مثل العم نبيل فؤاد، الذين حملوا الرسالة من الأجداد إلى الأبناء. وفي كل خيط يُنسج على النول، تختبئ قصة حب للحرفة، وعشق متجذر للتراث.





