محافظات بلدنا

طاحونة المندرة الأثرية شرق الإسكندرية.. أقدم شاهد حجري على نهضة محمد علي باشا الصناعية وحكاياتها بين التراث والسينما

في قلب أحد الشوارع الداخلية بمنطقة المندرة شرق الإسكندرية، يقف مبنى أثري فريد تحيط به الأسوار، شاهداً على أكثر من قرنين من الزمن، هو طاحونة الغلال الشهيرة التي أنشأها محمد علي باشا عام 1807، والتي عُرفت لاحقاً باسم طاحونة المندرة نظرًا لوقوعها في منطقة المندرة بحري بحي المنتزه، على بُعد خطوات قليلة من البحر والكورنيش، وعلى مسافة لا تتجاوز 300 متر من سور حدائق المنتزه الملكية.
هذا المبنى الذي يبدو للوهلة الأولى كبرج حجري عتيق، لم يكن مجرد إنشاء معماري، بل مشروع اقتصادي – صناعي جسّد رؤية محمد علي باشا التحديثية لمصر، واستمر أثره حتى يومنا هذا كأحد أقدم وأندر المعالم الأثرية الباقية شرق الإسكندرية.


البداية: أمر محمد علي ببناء طواحين تعمل بطاقة الرياح

تاريخ إنشاء طاحونة المندرة يعود إلى عام 1807 ميلادياً، في فترة مبكرة من حكم محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة. وبحسب المصادر التاريخية، فقد أصدر محمد علي أوامره بإنشاء طواحين تعمل بطاقة الرياح، مستوحياً الفكرة مما شاهده طلاب البعثات التعليمية التي أرسلها إلى أوروبا، والتي عادت بخبرات وأفكار جديدة ساهمت في رسم ملامح النهضة الصناعية والزراعية في مصر.

ويؤكد الدكتور مصطفى سليمان، أستاذ التاريخ الحديث، أن فرماناً صدر آنذاك بإنشاء عدد كبير من الطواحين على امتداد الساحل الشمالي، بدءًا من إدكو شرقًا وحتى الدخيلة غربًا، من “الطابية الحمراء” إلى “طابية الدخيلة”، وقد استمر العمل في بناء تلك الطواحين حتى عام 1832 ميلادياً. وكان الهدف منها توفير وسيلة حديثة لطحن الغلال تخدم الأهالي وتساهم في تطوير الإنتاج الزراعي.

وقد تم تسجيل طاحونة المندرة رسمياً في سجلات الآثار المصرية عام 1967 بقرار رقم 113، تقديراً لقيمتها التاريخية والمعمارية.


الطاحونة من الخارج: برج حجري على الطراز الأوروبي – العثماني

طاحونة المندرة تتكون من مبنى حجري على شكل برج إسطواني، مقسوم إلى قسمين؛ قاعدة أسطوانية ضخمة يعلوها جزء أسطواني أقل اتساعاً، شُيد على ارتفاع ثلاثة “مداميك” (صفوف حجرية) من الحجر الأبيض المحلي.
ويشير الخبير الأثري محمد سعيد إلى أن جسم الطاحونة بني من الحجر الأبيض مدعّماً بعروق خشبية دائرية، كانت وظيفتها امتصاص الاهتزازات وتخفيف الحمل على البناء، بما يضمن صمود المبنى أمام الرياح والأحمال الثقيلة.

ويعلو الطاحونة من الأعلى ما يُعرف بـ المخروط المقبب أو “الطاقية الخشبية”، وهي عبارة عن قبة خشبية مستديرة ترتكز على حلقة خشبية، لتسمح بحركة الجزء العلوي في اتجاه الرياح، وهو ما يميز الطواحين الهوائية القديمة.

أما المدخل الرئيسي للطاحونة فيقع في الجهة القبلية، وهو عبارة عن باب مستطيل تعلوه قوس نصف دائري، يتقدمه سلم حجري صغير مكوّن من سبع درجات. وتضم الطاحونة ثلاث نوافذ للإنارة والتهوية؛ نافذتان في الجهة البحرية وواحدة في الجهة الشرقية، وجميعها مستطيلة الشكل.

من الداخل، تحتوي الطاحونة على سلم شبه دائري يتكون من 37 درجة حجرية، يلتف حول جدار الطاحونة، ويستند إلى أكتاف معمارية متصلة بجسم المبنى. ولم يتبق من مكوناتها الداخلية سوى أربعة براطيم خشبية تشكل فيما بينها مربعاً، إضافة إلى الطاقية الخشبية العلوية، التي كانت جزءاً من آلية التشغيل.


القيمة الأثرية والمعمارية

تمثل طاحونة المندرة نموذجاً معمارياً فريداً يجمع بين الطراز العثماني والتأثيرات الأوروبية، حيث استلهم محمد علي تصميمها من الطواحين الهوائية التي انتشرت في أوروبا خلال القرن الثامن عشر.
وتكمن قيمتها الأثرية في أنها من أقدم الطواحين الباقية في مصر، فضلاً عن كونها شاهداً مادياً على مرحلة مهمة من محاولات إدخال التكنولوجيا الحديثة في الزراعة والصناعة المصرية.


الطاحونة والسينما: حضور بارز على شاشة الأبيض والأسود

لم يكن دور طاحونة المندرة مقتصراً على طحن الغلال أو تسجيل التاريخ فحسب، بل امتد ليشمل ذاكرة الفن والسينما المصرية. فقد ظهرت الطاحونة في عدد من الأعمال السينمائية، كان أبرزها فيلم “آثار في الرمال” (1954) بطولة عماد حمدي، فاتن حمامة، وزهرة العلا.
وفي أحد مشاهد الفيلم، ظهرت الطاحونة وسط أرض خالية تماماً من المباني، إذ لم تكن منطقة المندرة في تلك الحقبة قد شهدت بعد الكثافة السكانية والعمرانية المعروفة حالياً. ولعبت الطاحونة في هذا العمل دوراً محورياً في أحداث القصة، حيث ارتبطت بعقدة بطل الرواية، لتتحول من مجرد مبنى أثري إلى عنصر درامي فاعل.


بين الأمس واليوم: تراث ينتظر الاهتمام

اليوم، ورغم مرور أكثر من 200 عام على إنشائها، ما زالت طاحونة المندرة صامدة، محتفظة بملامحها المعمارية الأصلية، لكنها تعاني من الإهمال وقلة أعمال الترميم. كثير من الأهالي والمهتمين بالتراث يرون أن هذا المبنى يستحق أن يتحول إلى مزار سياحي وثقافي، يروي للأجيال قصة من قصص محمد علي باشا ونهضة مصر في القرن التاسع عشر.

فالطاحونة ليست مجرد أحجار صامتة، بل ذاكرة حية تجمع بين التاريخ والسينما والتراث الشعبي، شاهدة على عصرٍ حاول أن يمزج بين الرياح والتكنولوجيا لإنتاج الغذاء، وعلى زمنٍ كان فيه المعمار يحمل رسالة النهضة والتطوير.


📌 خلاصة القول: طاحونة المندرة الأثرية شرق الإسكندرية ليست مجرد مبنى قديم منسي خلف الأسوار، بل أيقونة معمارية وتاريخية تستحق أن تعود إلى دائرة الضوء. إنها قصة حجر وريح، حلم والي، وإبداع بعثات، وذكرى سينمائية لا تُنسى، كل ذلك في برج حجري صامد منذ 1807 وحتى اليوم.

105399 طاحونة المندرة من الخارج 128383 طاحونة المندرة قديما 137888 طاحونة المندرة

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى