
نقد كتاب ” أشعار صينية عالمية ”
للمؤلف د. محمد يوسف عرابين
بقلم د. عادل يوسف
الناقد الأدبي بالإذاعة والتليفزيون
اسم المؤلف / الشاعر د. محمد يوسف عرابين
الناشر / دوبامين للنشر والتوزيع
قسم الكتاب / الشعر في الأدب الصيني

عندما يتكلم الظل في علم النفس ، فإنه يعني الجوانب المكبوته والمخفية في وعي الإنسان: كالأفكار، والمشاعر، والرغبات التي لا يعرفها أحد.
ولكن كيف يتكلم الظل في كتاب أشعار صينية عالمية؟
الإجابة عن هذا السؤال تتضمن مناقشة هذا الكتاب سنتحدث عن:
1- أشهر شعراء الصين العالميين كالشاعر دوفو أعظم شعراء الصين.
2- معايير جمال القصيدة الصينية، وهل تختلف عن معايير جمال القصيدة العربية؟
3- نماذج لأهم شعراء الصين توضح جماليات القصيدة الصينية.
4- أهم موضوعات الأدب الصيني
5- بم اشتهر الأدب الصيني؟ ولماذا وصل إلى طريق العالمية؟
6- ملاحظاتي النقدية على كتاب أشعار صينية عالمية.
أولا:نبذة عن الكاتب محمد عرابين:
ينبغي علينا قبل الدخول في رحلة في كتاب أشعار صينية تعريف القارئ الكريم بكاتب هذا الكتاب الرائع محمد يوسف عرابين:
هو أديب كبير تتميز كتاباته الأدبية بالثراء والعمق واللغة الرشيقة البسيطة التي تجذب القارئ.
محمد عرابين يعالج قضايا اجتماعية ، وواقعية ، وتاريخية ، وأسطورية بأسلوب راق يعكس إبداعه وشخصيته الموهوبة.
قدم لنا محمد عرابين أربعة كتب هي : كتاب أقوال عالمية ، وحدوته عالمية ، ونانويات ، وكتاب أدباء صينيون.
وعرابين هنا يطل علينا بكتاب جديد بعنوان ( أشعار صينية عالمية) بوصفه امتدادا لكتاب ( أدباء صينيون) الذي تحدث فيه النثر الصيني :كالرواية الصينية ، والقصة القصيرة الصينية، والمسرحية الصينية.

ثانيا:مناقشة كتاب أشعار صينية عالمية:
كتاب أشعار صينية عالمية للمؤلف محمد عرابين يقع في 150 صفحة موزعة على مقدمة، وثلاثة أجزاء، وخاتمة بمراجع الكتاب.
يعتبر هذا الكتاب محاولة للغوص في الأدب الصيني المعزول عنا عربيا وبيان كنوزه الثمينة ،وجمالياته ومدارسه الأدبية، التي أثرت في الأدب العالمي.
والأدب الصيني رغم غزارته الإنتاجية وقيمته الإبداعية ، وتنوعه الثقافي لم يؤثر في أدبنا العربي بسبب وصوله إلينا متأخرا نتيجة ظروف سياسية وثقافية شهدتها الصين.
الشاعر محمد عرابين يقدم لنا في هذا الكتاب نماذج أدبية عظيمة تركت لنا بصمة عالمية في الأوساط الأدبية داخل الصين وخارجها مثل : الشاعر لي جيوي يي ، والشاعر لي باي ، ودوفو ، والشاعر لي جاو ، ليستفيد منها أدباء العرب في كل مكان.
قدّم لنا عرابين هذه النماذج الأدبية في قالب شائق ورائع ؛ مما يجعل القارئ يستمتع بقراءة هذه الأعمال الأدبية الرائعة لشعراء الصين.
محتويات الكتاب :
يحتوي على مقدمة وثلاثة أجزاء وقائمة بالمراجع.
1-الغلاف:
غلاف الكتاب عليه صورة لشاب صيني يمسك بيده ريشة يكتب بها على ورقة ، ويظهر في خلفية الصورة منازل صينية قديمة ، مما يجعل القارئ يعيش في جو الصين وحضارتها منذ رؤيته للغلاف.
2-المقدمة:
تناول عرابين في مقدمة كتابه : أسباب اختياره لشعراء الصين دون غيرهم وذلك لاستلهام الثقافة الصينية ، والتيارات الأدبية
ولبناء تواصل ثقافي أفضل مع الصين من خلال فهم ثقافة الصين التي لها تأثيرها الحضاري والعلمي الكبير على شعوب العالم.
حرص الكاتب في المقدمة أن يذكر لنا أهم شعراء الصين وأشعارهم الفريدة ؛كي يتعرف القارئ عليهم منذ بداية الكتاب.
اختار لنا الكاتب شعراء الصين بدقة وعناية شديدة ، فقد ركز على الشعراء البارزين الذين كان لهم تأثير واضح على الأدب الصيني مثل : ( دوفو) الذي حمل لواء الشعر الصيني الواقعي.
الجزء الأول:
قسم الكاتب الجزء الأول إلى ثلاثة فصول على النحو التالي:
الفصل الأول :
تحدث فيه الكاتب عن الشاعر باي جيوي ، الذي كان من أغرز شعراء الصين إنتاجا ، ومن أهم المساهمين في الحركة الأدبية ، وأعظم شاعر واقعي .
دعا باي جيوي إلى تبسيط اللغة الصينية وتعميقها ، والتجديد في الأسلوب والأغراض .
رفض باي جيوي أدب الشكليات والمذهب الجمالي ؛ لأنه يبعده عن الواقع والحقيقة ، كان مشهورا بالقصائد الهجائية التي تتحدث عن فساد الطبقة الحاكمة في الصين مثل قصيدته المشهورة ( الفحام العجوز) ، يقول باي جيوي:
لمح من مكان بعيد
فارسين يمتطيان جوادين
من هما؟
أحدهما ضابط امبراطوري يرتدي بدلة صفراء
وخادمه يرتدي ثوبا أبيض.
يقرأ الضابط ” أمر امبراطوري فوري”
ويستوليان على الفحم
في ومضة عين
يصادر أكثر من نصف الفحم
ما جدوى الشكوى
وأين ثمن الفحم ؟!!
ونجد كذلك الطبقة الحاكمة في الصين حتى داخل قصورها كما في قصيدة وصيفة القصر الإمبراطوري، يقول باي جيوي:
كانت وصيفة القصر الإمبراطوري
فتاة في عز العمر
ثم زحف الشيب على رأسها شيئا فشيئا
يرتدي حراس القصر الملابس الصفراء
يوصدون الأبواب خلفها
عندما اختيرت الوصيفة للقصر كان عمرها 16سنة
الآن يربو عمرها على الستين عاما
عاشت وحيدة في حجرة خاوية
تعاني أرق الليالي الطويلة
واليأس من بزوغ فجر جديد.
-الفصل الثاني:
تحدث فيه عرابين عن الشاعر الصيني ( دوفو) الذي يُعد أعظم شعراء الصين الواقعيين ، والذي حمل لواء الشعر الصيني في الأدب العالمي.
حكى لنا عرابين عن سيرة ( دوفو) الذاتية وكيف عاش في شظف الفقر والاضطرابات السياسية التي مرت به.
جسدت قصائده معاناة الطبقة الكادحة ، وكشف عن استبداد أسرة تانج يقول دوفو:
خلف البوابات الحمراء للأثرياء
تتراكم الخمور المسكرة واللحوم الفاسدة
وتكتظ الطرقات بالمحاصيل المجمدة
هناك خطوة تفصل بين الثروة الطائلة وبين الجياع.
وقد أُطلق عليه لقب ( قديس الشعر) ؛ لأنه انتقد الشرور الاجتماعية المتفشية في المجتمع الصيني ، ودعا إلى حياة أفضل للبشر يقول دوفو:
حقا تتداعب الآمال في خاطري
أن نبني آلاف البيوت الواسعة
يقطنها العالم كافة
ولا تنغص الأمطار والأنواء حياتهم.
ا-الفصل الثالث:
خصصه الكاتب عرابين للشاعر الرومانتيكي ( لي باي) الذي استوعب صفات الرومانتيكية الصينية ، وقد حث لي باي على التخلص من الزخرفة ، والأسلوب المنمق على حساب الفكرة ، وجسد التجديد الشعري ، ودعا إلى التحليق في سماء الإبداع الأدبي.
0الجزء الثاني:
جاء عن الشاعر الدبلوماسي ( لي جاو سينغ) الذي كان يعمل وزيرا لخارجية الصين.
استخدم شعره في الحديث عن السياسة الصينية والهوية الصينية والتغيرات الاجتماعية التي مرت بها الصين.
يقول في قصيدة ( الثقة الكبرى)
الاستمساك بحب الوطن
يفرض العمل الدؤوب
يتضاءل حب الذات أمام حب الوطن.
كما اهتم الشاعر ( جاو سينغ) بالقصائد المستوحاة من البحر والطبيعة الشخصية والتأملات في الحياة.بقول في قصيدة ( دعاء سقوط المطر)
أنا سحابة سوداء
أتألم بسبب الأرض القاحلة
أتمنى أن أكون مطرا يهطل
أتمنى أن أضحي بحياتي
من أجل إضافة لمسة جمال في العالم.
نلاحظ هنا تشخيص الطبيعة للشاعر وجعل السحابة عبارة عن إنسان يضحي بحياته ويسقط من أجل إضفاء لمسة جمال على العالم ؛ إنها قمة المثالية والإخلاص.
الجزء الثالث:
يُعد الجزء الثالث أكبر أجزاء الكتاب ؛ إذ يحتوي على الشعر الحر الصيني للشاعر الصيني الكبير ( آي تشينغ) ومن أهم قصائده قصيدة ( كلمات من الشمس)
-افتحوا العيون التي غطتها الأهداب الثقيلة على اتساعها
-دعوا عيونكم تشهد وصولي
-افتحوا قلوبكم مثل الغرف الخشبية الصغيرة
– دعوني أملأ فضاء قلوبكم.بالزهور والقوة.
ثالثا:ملاحظات نقدية على كتاب الشعر الصيني للكاتب محمد عرابين :
1-لاحظت سيطرة المذهب الواقعي الذي يعبر عن شدة المأساة التي عاشتها الصين على الشعر الصيني ، خصوصا في عهد أسرة تانج ، وهذا راجع لرغبة الصين في تجاوز أزمتها والنزوع للتقدم الحضاري.
2- رصد الشعر الصيني في الكتاب ملامح التغير السياسي والطريق إلى تنمية التقدم والوعي الصيني.
3- لاحظت توظيف الحيوان في الشعر الصيني توظيف رمزيا عميقا مثل طائر (السنونو) مما يدفع القارئ للتأمل .
4-أجاد عرابين عرض نماذج للشعر الصيني بأسلوب أدبي رشيق وجذاب وسلس من أجل إفادة فكر وثقافة القارئ العربي.
5- حرص محمد عرابين على شرح بعض الكلمات والمصطلحات الخاصة بالثقافة الصينية ؛حتى يجعل الإفادة واضحة وإزالة الغموض.
7- اتبع عرابين المنهج الانطباعي التأثري في عرض نماذج الشعر الصيني ، وهو منهج شديد الأهمية يعتمد على ما يبعثه الشعر في نفسه من مشاعر، وعلى ذائقته، وثقافته، وإحساسه.
-وفي نهاية رحلتي مع الأدب الصيني أقول للكاتب محمد عرابين :
بفضل جهودك المضنية رأينا الأدب الصيني شعرا ونثرا يتنفس في لغتنا العربية ، مقدما لنا أفكار الصين وثقافتها وحكمتها وأسرارها.
لقد كسرت حواجز اللغة الصينية المعقدة وجعلتنا نعيش مع الأدب الصيني برونقه وجماله.
وأخيرا:
أدعو القراء الأعزاء إلى قراءة كتاب ( أشعار صينية عالمية) للاستمتاع بما فيه من قصائد رائعة معروضة بشكل رائع وجذاب.




