
يشهد قطاع غزة فصولًا جديدة من التصعيد العسكري الإسرائيلي، في تطور خطير يعكس هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 11 أكتوبر 2025، والذي بات يتعرض لخروقات متتابعة، خلّفت خلال الساعات الأخيرة وحدها عشرات الشهداء والمصابين. وعلى الرغم من الجهود الدولية لاحتواء التوتر وترتيب مرحلة ما بعد التهدئة، إلا أن مشاهد الدمار والقصف وتوسع العمليات العسكرية تؤكد أن الهدوء ما زال بعيد المنال.
غارات مركّزة على قلب القطاع: بيوت مهدّمة وطرق تتحول إلى ساحات دماء
من جديد، عاد هدير الطائرات الحربية الإسرائيلية ليخيّم على سماء غزة، وسط تنفيذ عشرات الغارات المكثفة التي طالت مناطق مكتظة بالسكان في مدينة غزة ودير البلح والنصيرات ووسط القطاع. وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف استهدف منازل وسيارات ومواقع عشوائية اكتظت بالنازحين، فحوّل الشوارع إلى مشاهد مأساوية وخلّف دمارًا واسعًا.
المصادر الطبية أعلنت استقبال مستشفيات القطاع أكثر من 70 إصابة خلال ساعات قليلة، بعضها في حالة خطيرة، فيما أكدت الطواقم الصحية أن العدد الحقيقي للضحايا قد يكون أعلى بكثير، في ظل العجز عن الوصول إلى أماكن الضربات المتلاحقة.
كما كثفت الطائرات المسيرة تحليقها المنخفض، بالتزامن مع قصف مدفعي متواصل على شرق غزة وخان يونس، في مشهد يؤكد أن التهدئة المعلنة لم تمنع التوسع العسكري.
انتشار مدرّع وتحركات غير مسبوقة للاحتلال
على الأرض، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي تعزيز انتشارها على طول الخط الأصفر، وهو ما يشير إلى استعدادات لمرحلة ميدانية جديدة. وتمركزت دبابات في محاور جنوب ووسط القطاع، بينما نفذت وحدات خاصة عمليات متفرقة بموازاة نشاط مكثف للطائرات المسيّرة فوق الأحياء الشرقية.
وتقول مصادر أمنية إن التحركات العسكرية توحي بأن الاحتلال يُبقي جميع السيناريوهات مفتوحة، رغم إعلان التهدئة على الورق.
الضفة.. اقتحامات يومية واشتباكات عنيفة
تتسع دائرة التوتر لتشمل الضفة الغربية، التي تشهد منذ أيام اقتحامات مكثفة في الخليل ودورا وبلدات أخرى، أسفرت عن إصابة عشرات المواطنين. وفي الخليل، فرض جيش الاحتلال حظر تجوال على أجزاء من البلدة القديمة، بينما اعتدى المستوطنون على رعاة وممتلكات الأهالي، ووصلت الاعتداءات إلى تسميم أغنام والاعتداء على طفل.
وفي دورا، أصيب شابان بالرصاص الحي في القدم، فيما جرت عمليات إطلاق نار وقنابل غاز أجّجت التوتر، وسط محاولات الأهالي التصدي للاقتحام.
حصيلة دامية خلال 48 ساعة: عشرات الشهداء ومئات الإصابات
وزارة الصحة في غزة أعلنت في تقريرها اليومي أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الـ48 ساعة الماضية 7 شهداء و30 مصابًا، بينما ارتفع عدد شهداء يوم الأمس وحده إلى 23. وتؤكد الوزارة أن هناك عددًا كبيرًا من الضحايا تحت الأنقاض، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب القصف المتواصل.
وبذلك ترتفع حصيلة الشهداء منذ بدء التهدئة في 11 أكتوبر إلى 318 شهيدًا و788 مصابًا، إضافة إلى انتشال 572 جثمانًا من تحت الأنقاض منذ ذلك التاريخ.
497 خرقًا للتهدئة: أرقام تكشف حجم الانفلات العسكري
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة كشف أن الاحتلال ارتكب 497 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار منذ بدء سريانه وحتى 22 نوفمبر 2025، بينها 27 خرقًا يوم أمس فقط، أسفرت عن استشهاد 24 فلسطينيًا وإصابة 87 آخرين.
وبيّن المكتب أن الانتهاكات شملت:
-
142 عملية إطلاق نار مباشر
-
21 عملية توغل داخل مناطق سكنية وزراعية
-
228 عملية قصف جوي وبري ومدفعي
-
100 عملية نسف لمنازل ومنشآت مدنية
وأسفرت هذه الانتهاكات عن 342 شهيدًا معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن، و 875 إصابة، إلى جانب اعتقال 35 مواطنًا.
اجتماعات دولية تبحث مستقبل غزة بعد التهدئة
وفي المشهد السياسي، تواصل 21 دولة اجتماعاتها اليومية في مقر عسكري قرب كريات غات لبحث تشكيل قوة دولية تعمل داخل قطاع غزة فور تثبيت وقف إطلاق النار. وتشير صحيفة “يديعوت أحرونوت” إلى أن القرار الأمريكي النهائي حول التفويض القانوني وتشكيلة القوة قد يصدر خلال أسابيع أو أشهر.
ست مجموعات بحثية تعمل حاليًا على تحديد:
-
مهام القوة
-
مناطق انتشارها
-
مستوى التسليح
-
آليات التنسيق لمنع الاحتكاك مع قوات الاحتلال
كما يُبحث إنشاء مقر رئيسي لهذه القوة داخل القطاع، بالتزامن مع وضع خطط إعادة إعمار شاملة تشمل بناء أحياء جديدة وتوفير مصادر الكهرباء والمياه، وإزالة آلاف الأطنان من الركام.
واشنطن تقلص وجودها العسكري في كريات غات
صحيفة “هآرتس” كشفت عن بدء الولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري داخل مركز التنسيق المدني–العسكري في كريات غات. وغادر عدد من الجنود الأمريكيين خلال الأيام الماضية، في خطوة تتزامن مع انتقال صلاحيات المركز إلى «مركز السلام»، المتوقع أن يدير الملفات المدنية والأمنية المتعلقة بغزة مستقبلًا.
وتدرس واشنطن مقترحًا مثيرًا للجدل يتعلق بـ مصادرة أراضٍ فلسطينية في القطاع مقابل تعويضات مالية، بهدف تخصيص مساحات لمشاريع إعادة الإعمار.
ملف الأسرى: اعتداءات جديدة على أحمد سعدات
قضية الأسرى عادت إلى الواجهة بعدما أصدر مكتب إعلام الأسرى بيانًا شديد اللهجة أدان فيه الاعتداءات المتواصلة على القائد الوطني الأسير أحمد سعدات داخل عزل «جانوت». وتشير شهادات موثقة إلى تعرضه للضرب الوحشي فور نقله من عزل «مجدو»، مع تدهور كبير في حالته الصحية وهبوط حاد في الوزن، وعمليات اقتحام متكررة لزنزانته وعمليات تفتيش مهينة.
وطالب المكتب المؤسسات الحقوقية الدولية بالتدخل السريع لإيقاف الانتهاكات وإنهاء عزله، وسط مخاوف من تدهور خطير في وضعه الصحي.
بهذا، يبدو المشهد الفلسطيني أمام لوحة معقدة ومفتوحة على كل الاحتمالات:
تهدئة تتآكل بفعل الخروقات، تصعيد عسكري متواصل، توغل في الضفة، تحركات دولية غامضة لمستقبل القطاع، وتفاقم في الأوضاع الإنسانية. وبينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر، تبقى الأسئلة مفتوحة حول مصير الأيام المقبلة وما إذا كانت الجهود الدولية ستنجح في وقف الانزلاق نحو مواجهة أوسع.








