
دينا زكريا
في حياة كل إنسان، لحظة فاصلة لا تشبه سواها، لحظة قاسية بقدر ما هي كاشفة، ومريرة بقدر ما هي محررة. هي لحظة “الفوقان”؛ تلك اليقظة الداخلية التي يدرك فيها المرء كم ظلم نفسه، وكم سمح لغيره أن يسلبه ما لا يُسلب: كرامته، احترامه لذاته، وحتى المعنى الحقيقي للحب.
الحديث عن الحب غالبًا ما يأتي محاطًا بالأوهام؛ نغلفه بالكلمات، ونمنحه مشروعية الصبر والاحتواء، حتى ولو كان مؤذيًا، حتى ولو جرّنا إلى الحيرة والشك والمعاناة. لكن تأتي تلك اللحظة – التي يسميها البعض “نقطة التحول”، ويسميها آخرون “الانفجار الصامت” – لتهز أركان القلب والعقل معًا. إنها لحظة الفوقان.
في هذه اللحظة، لا يعود الإنسان هو ذاته الذي كان بالأمس، بل يصبح أكثر وعيًا وأشد بصرًا، لا بالأشياء من حوله فقط، ولكن بنفسه أولًا. يدرك فجأة أنه قَبِل ظلمًا لم يكن يستحقه، وأنه وضع نفسه موضعًا لم يكن يليق به، فقط باسم الحب.
لقد أوهمنا المجتمع، وأحيانًا الأصدقاء أو حتى القصص الرومانسية، بأن المحبة تعني التنازل، وأن الحب الحقيقي يبرر الألم، وأن التضحية فضيلة دائمة في العلاقات. لكن الفوقان يُسقط هذا القناع بالكامل.
الحب الحقيقي لا يسمح بالظلم. الحب الحقيقي لا يجعل المحبوب يشعر بالدونية أو القلة أو النقص. الحب ليس مجرد كلام معسول، بل مواقف تُثبت، وأفعال تُبرهن، وتقدير لا ينقطع.
وفي قلب هذه الصحوة، يتبين الإنسان أن من أحبه يومًا، لم يكن يرى قيمته كما يراها الآخرون، أو كما يجب أن يراها هو ذاته. هنا يبدأ الاكتشاف المرير: أنه كان “رخيصًا” في عين من منحه كل شيء، في الوقت الذي كان “غاليًا” في أعين الجميع.
إن لحظة الفوقان ليست غضبًا، بل نضجًا. ليست ضعفًا، بل شجاعة. إنها لحظة تمرد على وهم كبير، وتحرر من قيود خفية تُلبس الحب ثوب القهر.
ولعل أخطر ما يواجهه الإنسان في هذه المرحلة، هو مواجهة الحقيقة التي ظل يهرب منها طويلًا. كيف استطاع أن يتحمل كل تلك الأذية، كل ذاك الوجع، باسم المحبة؟ كيف سكت على التجاهل، وغض الطرف عن التقليل، ورضي بالحيرة والقلق والتخبط، فقط لأنه كان يحب؟
الحب، حين يكون صادقًا، لا يُشبه العذاب. لا يستنزف الروح، ولا يحوّل القلب إلى ساحة حرب. بل يمنح الطمأنينة، ويزرع السلام، ويزيد الإنسان نورًا على نوره. أما من يرضى لك بالقسوة، ويقبل لك الحيرة، ويعتاد على أن يراك مكسورًا، فمهما قال ومهما وعد، لا يعرف عن الحب سوى حرفه.
وهنا تتجلى الحقيقة العارية: أن المحبة عمرها ما كانت كلام. فالكلام يسهل نطقه، لكن الأفعال وحدها قادرة على حمل المعنى وتأكيده. من يحبك بصدق، لا يتركك تتأذى، ولا يراك تتألم ثم يصمت. لا يقبل لك “أقل” مما تستحق، بل يصنع لك من قلبه مكانًا، ومن اهتمامه جسرًا دائمًا لا ينقطع.
وما بين الحب الحقيقي والوهم، يقف الإنسان في منتصف الطريق، لكنه لا يُشفى إلا حين يفيق. حين يُدرك أن كل ما تحمّله كان ظلمًا، وأن الحب لا يُثبت بالتحمل وحده، بل بالتقدير. وأن من يسمح لنفسه بأن يكون سبب وجعك، لا يمكن أن يكون صادقًا في حبه لك.
ومن هنا، تبدأ رحلة التعافي، ويبدأ الإنسان في استرداد ذاته، واحترامه لنفسه، ويبدأ في قول كلمة “لا”، تلك الكلمة التي تُعيد التوازن لكل شيء، والتي تمثل الإعلان الحقيقي عن “الفوقان”.
في لحظة الفوقان، لا يستعيد الإنسان كرامته فقط، بل يستعيد المعنى الحقيقي للحب. يعرف أن المحبة فعل لا قول، عطاء لا أنانية، احترام لا تحكم، أمان لا وجع.
وإن كنا لا نملك التحكم في من نحب، فإننا نملك بالتأكيد ألا نقبل بأقل مما نستحق، وألا نكون ضحايا لحب مزيّف يُتاجر بعواطفنا باسم العاطفة.
فالإنسان الغالي، لا ينبغي أن يُرى رخيصًا أبدًا.
والقلب الصادق، لا ينبغي أن يُكافأ بالخذلان.
والحب الحقيقي، لا يُكتب بالحبر، بل يُحفر بالمواقف.




