دينا زكريا
في مشهد يعكس مزيجًا غير مألوف من الطفولة المعاصرة والهروب النفسي من أعباء الواقع، اجتاحت دمية “لابوبو” ذات الملامح الطفولية الغريبة واللون الوردي الباهت مواقع التواصل الاجتماعي والأسواق الإلكترونية في مختلف دول العالم. هذه الدمية، التي صمّمها الفنان كاسينج لونج من هونغ كونغ، لم تعد مجرد لعبة للأطفال، بل تحوّلت إلى ظاهرة نفسية واجتماعية تثير فضول المتخصصين، وتساؤلات لا تنتهي حول دوافع اقتنائها.
ورغم بساطتها الظاهرة، إلا أن دمية “لابوبو” تُباع بأرقام خيالية، إذ تصل أسعار النسخ الصغيرة منها إلى آلاف الدولارات، وهو ما وصفه البعض بـ”الجنون الجمعي”، بينما رأى فيه خبراء علم النفس مرآة لحالة التوتر والانفصال الذهني التي يعاني منها الجيل الجديد.
الدمية التي تكشف أزمة نفسية جماعية
بحسب صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، علّقت تريسي كينج، عالمة النفس السلوكي، على هذه الظاهرة قائلة: “إنفاق آلاف الدولارات على دمية مثل لابوبو ليس مجرد ولع عابر أو موضة رقمية، بل هو استجابة واضحة للإرهاق النفسي والشعور العميق بالانفصال عن الواقع”. وأضافت: “ظاهريًا، تبدو هذه الأشياء ممتعة وخيالية، لكنها تحمل رمزية عميقة نفسيًا؛ إذ تُقدم لحظات قصيرة وسهلة المنال من الراحة والتحكم والهوية، وسط عالم يزداد غموضًا وتقلبًا كل يوم”.
وترى كينج أن هذه الظاهرة مرتبطة مباشرة بـ”جيل Z”، الذي يعاني من انعدام الأمان المالي والمعنوي، بعد أن ترعرع في ظل أزمات متتالية، من الركود الاقتصادي إلى الأوبئة والتحولات المناخية، ما جعله يفقد الثقة في تحقيق “أهداف الحياة الكلاسيكية” مثل الاستقرار المهني، والزواج، وامتلاك منزل.

جيل Z والاستثمار في “الآن” بدلًا من الغد
وتضيف كينج: “بينما كانت الأجيال السابقة تضع خططًا طويلة الأجل من أجل الرهن العقاري والتقاعد، يختار الجيل Z الاستثمار في لحظاته الحالية، لأنه ببساطة لا يثق في الغد”. وتابعت: “الكثير من هؤلاء الشباب لا يجمعون الألعاب من باب الطفولية أو عدم النضج، بل كجزء من عملية إصلاح عاطفي داخلي، يعيد إليهم بعض ما افتقدوه في مراحل مبكرة من حياتهم”.
من وجهة نظرها، فإن اقتناء دمى مثل لابوبو يثير في النفس مشاعر الأمان والرعاية والحنين، وهي مشاعر قد تكون مفقودة لدى كثيرين بسبب ظروف النشأة أو التحديات الحياتية المعاصرة، مشيرة إلى ما يُعرف في علم النفس بـ”العمل مع الطفل الداخلي“، والذي يتضمن إعادة التواصل مع جوانب الطفولة التي تعرضت للإهمال أو الكبت.

الكماليات الصغيرة: بديل مؤقت للرضا الحقيقي
من جانبه، يرى الدكتور دانيال جلازر، الطبيب النفسي، أن الظاهرة تتجاوز كونها نزعة استهلاكية، مشيرًا إلى أن جيل Z نشأ في فترة عاصفة تميزت بعدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، حيث باتت المعالم الحياتية التقليدية – من شراء منزل إلى تحقيق أمن وظيفي – أحلامًا مؤجلة أو شبه مستحيلة.
وأوضح جلازر أن اللجوء إلى اقتناء “الكماليات الصغيرة” مثل الدمى القماشية أو الألعاب القابلة للتحصيل، يمثل رد فعل نفسي مباشر، في محاولة لاستعادة الشعور بالسيطرة والرضا الفوري في عالم يبدو يومًا بعد يوم أكثر غموضًا وتهديدًا. وأضاف: “الشراء هنا لا يتعلق بالاحتياج، بل بالطمأنينة اللحظية. إنه شكل من أشكال المقاومة الهادئة، أو ربما الهروب المؤقت من واقع مرهق لا يمنح فرصًا حقيقية للراحة أو الاستقرار”.

حين تتحول اللعبة إلى وسيلة علاج
وبينما يعتقد البعض أن هوس الدمى ومقتنيات الطفولة مجرد ظاهرة على الهامش، يرى بعض الخبراء أن ما يحدث هو تحول ثقافي أعمق يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ومحيطه. فـ”لابوبو” – وغيرها من الرموز المشابهة – أصبحت بمثابة مرآة لما يشعر به الناس في أعماقهم: الحاجة إلى حضن دافئ، إلى ذاكرة غير ملوثة، إلى لحظة صفاء وسط زحام الحياة الرقمية والتنافسية المفرطة.
وفي الوقت نفسه، تشير مؤشرات السوق إلى أن مبيعات الألعاب القابلة للتحصيل بين أوساط البالغين في تزايد ملحوظ، وهو ما دفع عددًا من الشركات العالمية إلى التركيز على تصميم منتجات تحاكي روح الطفولة ولكن بلمسة عصرية، لتلائم أذواق من تجاوزوا الثلاثين من العمر، لكنهم لا يزالون يبحثون عن ملاذ داخلي آمن.

الطفولة التي لا تنتهي
اللافت أن هذه الدمية، رغم صغر حجمها وبساطة تصميمها، استطاعت أن تخلق مساحة مشتركة بين أفراد الجيل الواحد، وجعلت من “اللاشيء” – كما يسميها بعض النقاد – نقطة تواصل عاطفي. ففي كل دمية “لابوبو” تُقتنى، هناك رسالة ضمنية تقول: “أحتاج إلى الراحة، إلى التعلق، إلى شيء يمكنني السيطرة عليه”.
وبينما يستمر الجدل حول أبعاد هذه الظاهرة، تبقى الحقيقة الأوضح أن جيل Z لا يبحث فقط عن منتج ظريف أو موضة جديدة، بل يطلب شيئًا أعمق: إحساس بالوجود في عالم تزداد هشاشته يومًا بعد يوم.




