
دينا زكريا
في وقتٍ يراجع فيه ملايين الأمريكيين قوائم مشترياتهم الغذائية، ويؤجلون قرارات الشراء الكبرى من منزلٍ أو سيارة أو حتى إجازة طال انتظارها، تتجه الأنظار إلى قمة الهرم الاقتصادي، حيث يحصل كبار الرؤساء التنفيذيين على رواتب ومكافآت تُسجّل أرقامًا قياسية، تعكس فجوة متسعة بين ما يجنيه المواطن العادي وما يتقاضاه قادة كبرى الشركات.
في قلب هذا المشهد، يبرز اسم تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة Apple، بوصفه نموذجًا صارخًا لهذا التفاوت. ففي يوم عملٍ واحد، يتقاضى كوك ما يتجاوز متوسط دخل المواطن الأمريكي خلال شهرٍ كامل. هذه المقارنة لم تعد مجرد رقمٍ عابر، بل تحوّلت إلى مؤشر اجتماعي واقتصادي يعكس تحولات عميقة في بنية الأجور والثروة داخل الولايات المتحدة.
Apple من شركة ناشئة إلى إمبراطورية تكنولوجية
قبل نحو 45 عامًا، دخلت Apple سوق المال عبر طرحها للاكتتاب العام، وكانت آنذاك شركة تقنية صاعدة يقودها طموح الابتكار أكثر مما تقوده الأرقام الفلكية. اليوم، تبلغ القيمة السوقية للشركة نحو 4.1 تريليون دولار، ما يجعلها واحدة من أغلى شركات العالم. هذا الصعود التاريخي ارتبط بشكل وثيق بقيادة تيم كوك، الذي تولّى منصب الرئيس التنفيذي بعد رحيل ستيف جوبز، واستطاع خلال سنوات قيادته أن يحافظ على إرث الابتكار، وفي الوقت نفسه يضاعف قيمة الشركة للمساهمين.
انعكس هذا النجاح مباشرة على حزمة تعويضاته. ففي عام 2024، ارتفع راتب كوك السنوي إلى 74.6 مليون دولار، بزيادة قدرها 18% مقارنة بعام 2023، حين بلغ 63.2 مليون دولار. ويتكوّن هذا المبلغ من 58.1 مليون دولار على هيئة أسهم، و12 مليون دولار حوافز غير مرتبطة بالأسهم، إضافة إلى 1.5 مليون دولار تعويضات أخرى تشمل مزايا مختلفة.

من مئة مليون إلى «تصحيح» الرواتب
ورغم أن هذا الرقم يضع كوك ضمن قائمة الأعلى أجرًا في العالم، فإنه يبقى أقل مما حصل عليه في سنوات سابقة. ففي عام 2022، اقتربت حزمة تعويضاته من 100 مليون دولار، نتيجة منح أسهم كبيرة وصفتها الشركة آنذاك بأنها تعكس «قيادته الاستثنائية» و«القيمة غير المسبوقة» التي حققها للمساهمين.
غير أن هذه الحزمة أثارت اعتراضات داخلية وخارجية، شملت موظفين في Apple وبعض المساهمين، الذين رأوا فيها مبالغة لا تنسجم مع الظروف الاقتصادية العامة. وعلى إثر ذلك، أوصى كوك نفسه بتعديل راتبه في العام التالي «في ضوء الملاحظات الواردة»، لينخفض إجمالي التعويضات قبل أن يعاود الارتفاع مجددًا في 2024.
سبع ساعات تكفي لتجاوز دخل عام كامل
عند وضع راتب كوك في مواجهة أرقام الدخل العادي للأمريكيين، تتضح الهوة بشكلٍ لافت. فوفقًا لبيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي للربع الأول من عام 2025، يبلغ متوسط الدخل السنوي للعامل الأمريكي نحو 62,088 دولارًا.
بهذا الحساب، يحتاج كوك إلى نحو سبع ساعات عمل فقط لتجاوز ما يجنيه المواطن الأمريكي العادي خلال عام كامل. وفي غضون ثلاثين دقيقة — وهي المدة التي يستغرقها كثيرون للوصول إلى مكاتبهم صباحًا — يكون الرئيس التنفيذي لـ Apple قد أضاف إلى رصيده نحو 4,256 دولارًا، وهو مبلغ يفوق ما يحتفظ به عدد كبير من الأمريكيين كمدخرات للطوارئ.

منزل في عطلة نهاية الأسبوع
في سوقٍ يعاني فيه الأمريكيون من ارتفاع أسعار العقارات وصعوبة الادخار لشراء منزل، تبدو مقارنة أخرى أكثر صدمة. فبينما قد يحتاج العامل العادي إلى عقود من العمل والادخار لتحقيق حلم امتلاك منزل، يستطيع كوك جمع متوسط سعر المنزل الأمريكي — نحو 439 ألف دولار — خلال يومين وربع فقط من العمل.
هذه الأرقام، التي استندت إلى أداة حساب رواتب الرؤساء التنفيذيين من موقع Resume.io، لا تُقصد بها المبالغة بقدر ما تهدف إلى ترجمة الفجوة الرقمية إلى صور واقعية قريبة من حياة الناس.
منتجات Apple… دقائق لا تُذكر
حتى منتجات شركته، التي تُعد بالنسبة لكثيرين من الكماليات مرتفعة الثمن، لا تمثل عبئًا ماليًا يُذكر على رئيسها التنفيذي. ففي غضون 21 دقيقة فقط، يستطيع كوك جني ما يكفي لشراء جهاز MacBook Pro بقيمة 3000 دولار، وفي أقل من ثماني دقائق يمكنه شراء هاتف iPhone 17 Pro بسعر يقارب 1100 دولار. وبحسابات أخرى، يستطيع شراء هاتف iPhone جديد كل ثماني دقائق دون أن يؤثر ذلك على وضعه المالي بأي شكل.
ليس كوك وحده في الصدارة
ورغم أن كوك يُعد من أبرز الأمثلة على ارتفاع أجور الرؤساء التنفيذيين، فإنه ليس الوحيد الذي يتصدر العناوين. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت رواتب قادة الشركات الكبرى إلى موضوع جدلٍ واسع، خاصة مع تزايد الضغوط المعيشية على الطبقة المتوسطة.
إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة Tesla وأغنى رجل في العالم، حصل على حزمة تعويضات وُصفت بأنها «تاريخية»، بلغت قيمتها تريليون دولار، بعد جدال حاد مع شركات استشارية طالبت المساهمين برفضها. ورغم الانتقادات الواسعة التي أثارتها هذه الموافقة غير المسبوقة، فإنها عكست إلى أي مدى يمكن أن تصل مكافآت القيادة التنفيذية في عصر الشركات العملاقة.

قائمة الأجور الأعلى في 2024
بحسب تحليل أجرته شركة «إيكويلار» المتخصصة في تعويضات المديرين التنفيذيين، كان ريك سميث، الرئيس التنفيذي لشركة Axon المتخصصة في تكنولوجيا الدفاع، الأعلى أجرًا بين رؤساء الشركات الأمريكية العامة الكبرى في عام 2024، حيث حصل على 164.5 مليون دولار.
وجاء بعده جيم أندرسون، الرئيس التنفيذي لشركة Coherent، الذي حصد 101.5 مليون دولار، بينما بلغ دخل برايان نيكول، الرئيس التنفيذي لشركة Starbucks، نحو 95.8 مليون دولار. كما حصل لاري كولب، الرئيس التنفيذي لشركة General Electric Aerospace، على 87.4 مليون دولار، وحلّ مايكل أروغيتي، الرئيس التنفيذي لشركة Ares Management، في المركز الخامس بالمبلغ نفسه.
في هذه القائمة، جاء تيم كوك في المرتبة السابعة، مباشرة بعد ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة Microsoft، الذي بلغ دخله 79.1 مليون دولار.
ما لا تُظهره القوائم
ولا تشمل هذه الأرقام قادة الشركات الخاصة غير المدرجة في البورصة، الذين لا يُلزمون بالإفصاح عن رواتبهم، رغم أن كثيرين منهم يتقاضون عشرات الملايين سنويًا. كما لا تعكس القوائم المكاسب غير المباشرة التي يحققها هؤلاء القادة من استثماراتهم وأسهمهم.
في أكتوبر الماضي، ارتفعت ثروة برنارد أرنو، الرئيس التنفيذي لمجموعة LVMH، بنحو 19 مليار دولار في ليلة واحدة عقب إعلان أرباح قياسية للشركة. وقبل ذلك بشهر، قفزت ثروة صفرا كاتز، الرئيسة التنفيذية لشركة Oracle آنذاك، بأكثر من 400 مليون دولار خلال ست ساعات فقط، لتصل إلى 3.4 مليار دولار، وفقًا لتقديرات مجلة فوربس.
فجوة الدخل تتسع من جديد
تُعد الولايات المتحدة موطنًا لأكبر عدد من المليارديرات في العالم، لكن هذه المكانة لا تعكس بالضرورة رخاءً عامًا. فوفق بيانات معهد بنك أوف أمريكا، نما صافي دخل الأمريكيين من ذوي الدخل الأدنى — بعد خصم الضرائب — بنسبة 1.3% فقط على أساس سنوي في يوليو الماضي، مقارنة بـ 1.6% في الشهر السابق.
في المقابل، ارتفعت أجور ذوي الدخل الأعلى بنسبة 3.2% خلال الفترة نفسها، مسجلة ثالث زيادة شهرية متتالية، وهو ما يمثل أكبر فجوة في نمو الثروة بين الأسر ذات الدخل المنخفض والمرتفع منذ أربع سنوات.
ويعلّق ديفيد تينسلي، كبير الاقتصاديين في معهد بنك أوف أمريكا، على هذا التحول قائلًا: «شهدنا بعد الجائحة تحسنًا نسبيًا في نمو أجور ذوي الدخل المنخفض، ما أدى إلى تضييق فجوة الثروة مؤقتًا، لكن هذا الاتجاه انعكس الآن، وعادت الفجوة إلى الاتساع من جديد».
تأجيل الأحلام الأمريكية
هذا التفاوت ينعكس بوضوح على قرارات الحياة اليومية. فوفق تقرير صادر عن شركة Clarify Capital عام 2025، يؤجل نحو 47% من الأمريكيين الذين تتجاوز دخولهم 100 ألف دولار سنويًا رحلاتهم وعطلاتهم، بينما يؤجل 31% تجديد منازلهم، و26% شراء أو استئجار سيارة جديدة.
أما حلم «المنزل ذي السياج الأبيض» — أحد رموز الحلم الأمريكي — فقد أصبح مؤجلًا لدى شريحة واسعة؛ إذ يؤجل 17% قرار شراء منزل، فيما يؤجل 6% حتى قرار الزواج، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة.

بين الأرقام والواقع الاجتماعي
لا تقتصر دلالة هذه الأرقام على المقارنات المالية فحسب، بل تمتد إلى أسئلة أعمق حول العدالة الاقتصادية، ودور الشركات الكبرى، وحدود التعويضات التنفيذية في مجتمعٍ يعاني فيه كثيرون من تآكل القدرة الشرائية.
وبينما يرى المدافعون عن هذه الرواتب أنها انعكاس طبيعي لقيمة القيادة الناجحة في شركات بمليارات الدولارات، يرى منتقدوها أنها مؤشر على اختلال هيكلي في توزيع الثروة، قد يحمل تداعيات اجتماعية وسياسية على المدى الطويل.
في النهاية، يبقى راتب تيم كوك وغيره من كبار الرؤساء التنفيذيين مرآة تعكس واقعًا اقتصاديًا متناقضًا: قمم شاهقة من الثروة، وقاعدة واسعة تكافح للحفاظ على توازنها المالي، في مشهدٍ يعيد طرح سؤال قديم جديد حول معنى النجاح، وحدود الفجوة المقبولة بين من يقودون الاقتصاد ومن يعملون في ظله.




