ثقافة

السويداء تشتعل.. اشتباكات دامية تكشف أسرار طائفة الموحدين الدروز

عاشت محافظة السويداء، جنوب سوريا، خلال الأيام الماضية، على وقع اشتباكات عنيفة هزّت المدينة وأعادت إلى الواجهة ملفات حساسة تتعلق بالتركيبة السكانية والدينية للطائفة الدرزية، التي تمثل الأغلبية في المنطقة. وبينما دارت المواجهات بين عشائر بدوية مدعومة بقوات أمنية وعسكرية تابعة لحكومة دمشق من جهة، والمكوّن الدرزي من جهة أخرى، تتابعت التحليلات حول دلالات هذه المواجهات، لا سيما وأنها اندلعت في قلب منطقة تُعرف تاريخيًا بخصوصيتها العقائدية والاجتماعية.

لكن بعيدًا عن الميدان وسخونة الأحداث، فإن هذه التطورات تفتح الباب أمام إلقاء الضوء على طبيعة هذه الطائفة الدينية الفريدة، التي كثيرًا ما اكتنفها الغموض، وشُغف الباحثون بدراسة نمط حياتها وتعاليمها وأعرافها الدينية والاجتماعية.


من هم الدروز؟

ينتمي الدروز إلى طائفة دينية وإثنية عربية تُعرف باسم “الموحدين”، وتتبع مذهب التوحيد ذي التعاليم الباطنية، التي تطورت على أساس فلسفي وروحي خاص خلال القرن الحادي عشر الميلادي في ظل الخلافة الفاطمية. يعيش معظم أبناء هذه الطائفة في سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة، وتُعد السويداء في الجنوب السوري، وقرى جبل الدروز، معاقلهم الرئيسية في البلاد.

تشير مصادر تاريخية، من بينها ما أورده المؤرخ الفرنسي “هنري جيز” في كتابه الشهير “بيروت ولبنان منذ قرن ونصف القرن”، إلى أن الدروز يتميزون بنمط ديني واجتماعي صارم، حيث ينقسم المجتمع الدرزي إلى فئتين أساسيتين: العقال والجهال.


العقال والجهال: تراتبية روحية واجتماعية

يشكل العقال الفئة التي تلقت تعاليم المذهب وتدرجت في مدارج الفهم الروحي والنسك، فيما يبقى الجهال في طور العامة غير المطلعين على تفاصيل العقيدة. ويخضع العقال لتقاليد صارمة تشمل السلوك واللباس والطقوس اليومية، إذ يتميزون بلباس بسيط يتكون غالبًا من عباءة صوفية ذات خطوط عريضة سوداء وبيضاء، وعمامة بيضاء تُلف بطريقة خاصة فوق طربوش. كما يضع بعضهم الكحل في عيونهم كجزء من رمزية دينية خاصة.

يتمتع العقال بمكانة معنوية رفيعة في المجتمع الدرزي، ويعتبرون مصدر الحكمة والسلطة الدينية. ولا يُسمح للعاقل بأن يتزوج مرة ثانية إلا إذا عاد إلى مرتبة “الجاهل”، كما أن عليه الامتناع عن ارتداء الملابس الفاخرة أو حمل السلاح في غير أوقات الضرورة.

ويرتقي العقال في المراتب وفق تقيدهم الدقيق بالتعاليم والنسك، حيث يحرم البعض أنفسهم من الملذات الحسية، بل قد يعيش بعضهم على خبز الشعير فقط، في حين يعتكف آخرون في الخلوات الروحية لسنوات طويلة.


نساء العقال: حضور روحاني ودور خفي

للمرأة الدرزية المتدينة، التي تُعرف بـ”العاقلة”، دور ديني واجتماعي محوري. إذ يُسمح لها بحضور المجالس الدينية الأسبوعية التي تعقد عادة مساء كل خميس داخل “الخلوات”، وهي الأماكن المخصصة للعبادة والتأمل. وتجلس النساء خلف ستار يفصلهن عن الرجال، ويتعين عليهن خلع المجوهرات وعدم التزين بأية حُليّ، في رمز صارخ للزهد والتواضع.

ولا يقتصر الأمر على الحضور، بل تشارك العاقلات في قراءة الأدعية وتلاوة النصوص، بعد أن يؤدين قسمًا خاصًا في أول حضور لهن، وهو قسم يُعيدن تكراره بشكل رمزي عند كل اجتماع.


“الخلوات”: المعبد المقدس وملتقى الروح

تعد الخلوة عند الدروز مركز الحياة الروحية، حيث تُحفظ الكتب الدينية التي يقولون إنها تتألف من سبعة أجزاء، وتُعقد فيها الصلوات والمواعظ. يتبع العقال طقسًا منظمًا داخل الخلوة، يبدأ بجلسة تلاوة يتلوها تناول وجبة بسيطة مكونة من الزبيب والعسل والجوز، يحضرها كل فرد بنفسه.

وتجري الممارسات الدينية داخل الخلوة على مراحل، حيث تنسحب كل طبقة من العقال بالتدريج بعد كل قراءة، حتى تبقى فقط الطبقة العليا من “الأجاويد”، وهم الصفوة من العقال ذوي الأثر العميق في فهم التعاليم والتصوف.

ويُمنع على غير الدروز دخول الخلوات أو الاطلاع على ما يجري بداخلها، وهو ما يكرّس الطابع السري للطائفة ويزيد من غموضها في أعين الآخرين.


مشايخ العقل: السلطة الروحية العُليا

يتربع على قمة الهرم الديني الدرزي شيخ العقل، وهو أعلى رتبة دينية، يُختار بعناية بالغة من بين العقال الذين أمضوا سنوات في النسك والتقشف. ويتعين على الشيخ أن يعيش حياة شديدة الزهد، يتقاضى نفقاته من صدقات المحسنين ويملك تأثيرًا بالغًا في المجتمع.

كان يُنظر لشيخ العقل تاريخيًا على أنه زعيم روحي تُجبى له الهبات، وتُطلب بركته، ويتبع في تنقلاته حشود كبيرة، لدرجة أن الأمراء كانوا يتقربون إليه ويُقبلون يده في إشارة إلى التبجيل.

وتقول الروايات إن زعامة الدين كانت تخضع لتوازن دقيق مع السلطة الزمنية التي يمثلها زعيم من عائلة جنبلاط، والذي يُعرف بـ”الأمير الكبير”. وعلى الرغم من أن المنصبين منفصلان، فإن التداخل بينهما كان واضحًا في الحياة السياسية والاجتماعية للطائفة.


العزلة الطوعية.. والريبة من السلطة

يتصف العقال بدرجة عالية من التحفظ والعزوف عن مخالطة السلطات أو رجال الدولة، ويعتبرونهم في أغلب الأحيان ظالمين أو فاسدين. كما يتحاشى العقال تناول الطعام في أماكن عامة أو غير مأمونة، خشية أن يكون قد شُري بمال مشبوه.

هذه العزلة الطوعية جعلت من الدروز مجتمعًا منغلقًا على ذاته إلى حد بعيد، يتوارث القيم الروحية والنسكية جيلاً بعد جيل، وينظر بريبة إلى الانخراط في السياسة أو مؤسسات الدولة، إلا في حالات الضرورة القصوى.


الإصلاح الديني والأمير السيد

يُعد الأمير عبد الله التنوخي أحد أبرز الرموز الدينية والإصلاحية في تاريخ الدروز، إذ فرض حظرًا صارمًا على شرب الخمر والتدخين بين صفوف العقال، في خطوة عُدّت ثورية في سياق التقاليد. وقد أسهم في تعزيز النزعة الروحية لدى الطائفة، وشدد على قيم الطهارة والورع والتقشف، التي باتت اليوم سمة مميزة للمذهب الدرزي.


في العمق: الدروز والهوية المتعددة

تكشف القراءة المعمقة لتاريخ الدروز ونظامهم الاجتماعي والديني عن طائفة نجحت في الحفاظ على هويتها المتفردة رغم تقلبات الجغرافيا والسياسة. فعبر قرون من العزلة والانغلاق المتعمد، صاغ الدروز نموذجًا نادرًا في الالتزام بالتقاليد الروحية والصرامة الأخلاقية، مع قابلية محدودة للانفتاح على الآخر، ما جعلهم أحد أكثر المكونات الاجتماعية إثارة للفضول في المشرق العربي.

وفي ظل التطورات الأخيرة في السويداء، تبدو هذه الخصوصية الدينية والاجتماعية اليوم في مواجهة اختبار عسير. فهل ستتمكن الطائفة الدرزية من الحفاظ على إرثها الديني والروحي في وجه التجاذبات السياسية والعسكرية المتزايدة؟ أم أن نار الاشتباكات ستتمدد إلى عمق البناء العقائدي والاجتماعي الذي استمر لقرون؟

هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

OIP 6

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى