كتب :
المستشار الدكتور / عصام موريس فرج

الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
لماذا لم يعد الحديث عنهما ترفًا تقنيًا ؟
كان الذكاء الاصطناعي يُقدَّم باعتباره أداة مساعدة تحسن الأداء و تختصر الوقت، أو تضيف رفاهية تقنية. لكن الواقع تغيّر بسرعة أكبر مما كان متوقعًا.
اليوم، نحن أمام وضع مختلف تمامًا فالذكاء الاصطناعي لم يعد على هامش الأمن السيبراني، بل أصبح في قلبه.
السبب بسيط، لكنه مقلق فالهجمات الإلكترونية لم تعد بدائية، ولا عشوائية، ولا حتى متوقعة. كثير منها أصبح ذكيًا بما يكفي ليتعلّم من المحاولة الأولى، ويُعدّل مساره في الثانية.
ما الذي تغيّر فعلًا؟
في السابق، كان الاختراق يعتمد على ثغرة واضحة، أو إهمال بشري، أو رسالة تصيّد ركيكة.
اما الآن فالأمر أكثر تعقيدًا.
أنظمة ذكية قادرة على تحليل سلوك المستخدم، توقيت عمله، طريقة تواصله، وحتى نمط ردوده. ونتيجة ذلك أصبحت الهجمات مصمَّمة خصيصًا، لا تشبه الهجوم التقليدي، ولا يمكن التعامل معها بنفس الأدوات القديمة. وهنا تحديدًا بدأت تظهر الفجوة .
الدفاع لم يعد كافيًا فالمؤسسات التي ما زالت تعتمد على أنظمة حماية تقليدية تعيش – عمليًا – خارج الزمن الرقمي الحالي. ليس لأن هذه الأنظمة سيئة، ولكن لأنها لم تُصمَّم لمواجهة خصم يتعلّم.
الذكاء الاصطناعي في الجانب الدفاعي يقدّم حلولًا حقيقية تتمثل في تحليل سلوكي، إنذار مبكر، واستجابة أسرع من أي فريق بشري. لكن في الوقت نفسه، الخصم يستخدم المنطق ذاته وهذا هو جوهر المشكلة.
سلاح واحد… ويدين مختلفتين .
الذكاء الاصطناعي لا ينحاز فهو أداة ، ومن يملك القدرة على تطويره وتوجيهه، هو من يحدد النتيجة.
لذلك، الحديث عن “تفوق أمني” لم يعد مرتبطًا بحجم الإنفاق فقط، بل بسرعة التكيّف، ومرونة التفكير، وقدرة المؤسسة على فهم المخاطر قبل وقوعها.
الخطر الحقيقي لا يكمن في التقنية نفسها، بل في الثقة المفرطة بها فالاعتماد الكامل على أنظمة ذكية دون إشراف بشري، أو دون فهم حقيقي لآلية عملها، قد يحوّل أداة الحماية إلى نقطة ضعف.
وهذا ليس سيناريو افتراضيًا.
بل واقع بدأت تظهر ملامحه في قطاعات حساسة حول العالم.
في النهاية
الذكاء الاصطناعي غيّر قواعد الأمن السيبراني، شئنا أم أبينا.
لكن التعامل معه كحل سحري هو خطأ لا يقل خطورة عن تجاهله.




