
دينا زكريا
في مثل هذا اليوم، تحل ذكرى وفاة الفنان الراحل مصطفى متولي، الذي رحل عن عالمنا في 5 أغسطس 2000، تاركًا خلفه رصيدًا فنيًا يربو على 131 عملًا بين السينما والمسرح والتلفزيون، وذكرى طيبة في قلوب زملائه ومحبيه. ورغم أن البعض اختزل مسيرته في كونه “زوج شقيقة الزعيم عادل إمام”، فإن مشواره الإبداعي وقيمته الإنسانية يستحقان إنصافًا أكبر بكثير مما ناله في حياته.
البداية من كفر الشيخ إلى معهد الفنون
وُلد مصطفى متولي في مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ عام 1949، لأسرة متوسطة كان والده تاجرًا كبيرًا للأدوات المنزلية، وكان ترتيبه الثالث بين أشقائه. ومنذ سنواته الأولى، انجذب لعالم الفن والتمثيل، ليلتحق بمعهد الفنون المسرحية ويبدأ رحلته الفنية.
كانت بدايته السينمائية في السبعينيات مع أفلام بارزة مثل “خلي بالك من زوزو” و**”الكرنك”**، قبل أن تتوالى أعماله الفنية المتنوعة، التي جمع فيها بين أدوار الشر والخير، الكوميديا والتراجيديا.
لقاءه مع الزعيم
أول لقاء فني جمعه بالزعيم عادل إمام كان في فيلم “عنتر شايل سيفه” عام 1983، لتتوطد بعدها شراكتهما الفنية في ما يزيد عن 15 فيلمًا سينمائيًا و3 مسرحيات، بينها “الواد سيد الشغال” و**”الزعيم”** و**”بودي جارد”**.
ورغم أن عادل إمام كان يمنحه غالبًا أدوار الشرير أو الفيلين، إلا أن المقربين منه يؤكدون أنه كان عكس ذلك تمامًا في حياته الشخصية؛ رجل طيب القلب، رقيق المشاعر، محب لأصدقائه وعائلته.
رجل رقيق المشاعر
من أبرز المواقف التي تعكس إنسانيته، القصة التي روتها زوجة الفنان الراحل علي الشريف لصحيفة “الوفد”. فقد زار مصطفى متولي صديقه علي الشريف قبل وفاته بيوم، وترك له رسالة بأنه سيعود في اليوم التالي، لكن القدر كان أسرع؛ إذ توفي الشريف صباح اليوم التالي. وعندما علم متولي بالخبر أمام منزل صديقه، سقط مغشيًا عليه من هول الصدمة.
صديق المثقفين والفنانين
كان مصطفى متولي حريصًا على مجالسة المثقفين في بداياته الفنية، وكان الفنان صبري عبد المنعم قد كشف في لقاء تلفزيوني أنه هو من قدّمه للشاعر الكبير صلاح جاهين. كما كان متولي محبوبًا من جميع زملائه، دائم التواصل مع عائلته وأبناء بلدته في كفر الشيخ، ويستقبلهم في المسرح بحفاوة وكرم شديدين.
منتج شجاع ضحّى بماله
بعيدًا عن التمثيل، أسس مصطفى متولي شركة إنتاج سينمائي باسم “بوب آرت”، وقدّم من خلالها أربعة أفلام شارك بالتمثيل في جميعها، أبرزها “الطعنة الأخيرة” و**”شمس الزناتي”** و**”الإرهابي”** و**”عيش الغراب”**.
قصة فيلم “الإرهابي” تحديدًا تكشف شجاعته؛ ففي التسعينيات، كانت التهديدات الإرهابية تحيط بعادل إمام بسبب الفيلم، وفرضت الداخلية حراسة مشددة عليه. ورغم أن الجميع ركّز على “تضحية الزعيم”، فإن المنتج الحقيقي الذي خاطر بأمواله ومستقبله كان مصطفى متولي. أي خسارة للفيلم أو إحجام الجمهور عن مشاهدته كانت ستعني ضياع رأس ماله بالكامل، ناهيك عن أن دوره في الفيلم كمسحي معتدل وضعه على قوائم استهداف الجماعات المتشددة.
وفاء الأصدقاء في الحياة والممات
امتدت صداقته بالفنان نور الشريف منذ فيلم “الكرنك” وحتى آخر أعماله “عيش الغراب”، الذي أنتجه متولي خصيصًا لمساندة صديقه الذي كان يمر بحالة نفسية صعبة. وقد صرّح نور الشريف أن متولي لم يقل له صراحة إنه أنتج الفيلم لدعمه نفسيًا، لكنه فهم ذلك دون كلام.
أما لحظة رحيله، فكانت صادمة لكل الوسط الفني؛ إذ بكى عليه صلاح السعدني في برنامج تلفزيوني نادر، متحدثًا بمرارة عن شعوره بفقدان “أخ أصغر”، بينما استعاد نجله عمر متولي ذكرى عودته من الساحل ليجد الفنان صلاح السعدني واقفًا أمام المنزل ببدلة سوداء ونظارة شمسية، ليبلغه بالخبر الحزين.
إرث طيب رغم الرحيل المبكر
برحيله المفاجئ عن عمر لم يتجاوز 51 عامًا، ترك مصطفى متولي إرثًا فنيًا متنوعًا وذكرى إنسانية جميلة في قلوب كل من عرفه. لم يكن مجرد “زوج شقيقة الزعيم”، بل كان فنانًا موهوبًا، منتجًا شجاعًا، وصديقًا وفيًا، جمع بين طيبة القلب وحب الفن والناس. وبعد 25 عامًا من رحيله، تبقى ذكراه حاضرة تروي حكاية “الطيب الذي أتقن أدوار الشرير ورحل في صمت”.





