علوم و تكنولوجيا

“تهديد صامت”.. الذكاء الاصطناعي يزاحم محركات البحث ويهدد مستقبل الإنترنت المفتوح

في وقت تتسارع فيه وتيرة الابتكار التكنولوجي، تلوح في الأفق ملامح تحوّل جذري يهدد البنية التقليدية للإنترنت، وعلى رأسها محركات البحث وشركات الإعلام الرقمي. فمع التنامي المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأت أسس العلاقة بين المستخدم والمعلومة تشهد تغيّرًا عميقًا، يتجاوز مجرد التطور التقني إلى ما يشبه “إعادة هيكلة” شاملة لطريقة تصفح الويب وتوزيع الأرباح بين الأطراف الفاعلة فيه.

الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد اللعبة

في مطلع العام الماضي، تلقى ماثيو برينس، الرئيس التنفيذي لشركة “كلاودفلير” – التي توفر بنية تحتية أمنية تُغطي نحو خُمس الإنترنت – اتصالات قلقة من رؤساء شركات إعلامية كبرى. كانت الرسائل واضحة ومقلقة: “نحن نواجه تهديدًا جديدًا، غير مألوف، يضربنا في صميم نماذج أعمالنا”. السبب؟ التمدد السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي بدأت تحل محل محركات البحث التقليدية كوسيلة رئيسية للحصول على المعلومات.

ووفقًا لما أوضحه برينس، فقد لاحظ التنفيذيون في المؤسسات الإعلامية مؤشرات مبكرة على هذا التحول السلوكي، حيث بات المستخدمون يطرحون استفساراتهم على روبوتات الدردشة مثل “ChatGPT”، بدلًا من كتابة الكلمات المفتاحية على “جوجل”، ويحصلون على إجابات فورية بدلاً من قوائم روابط تحتاج إلى تصفح وتحليل.

من الروابط إلى الإجابات الفورية

لطالما مثّلت محركات البحث، وعلى رأسها “جوجل”، البوابة الرئيسية لاكتشاف الويب، حيث تدفع المستخدم إلى زيارة مواقع إلكترونية مختلفة عبر نتائج البحث. غير أن أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة – مثل “Grok” من شركة xAI، و”Perplexity”، و”Claude” – تقلب هذا النموذج رأسًا على عقب، إذ باتت قادرة على تقديم ملخصات دقيقة وإجابات مركّزة دون إحالة مباشرة إلى المصادر.

فعلى سبيل المثال، يستطيع تطبيق “Perplexity” تلخيص مقال كامل أو الرد على سؤال مركّب باستخدام محتوى مستخرج من عدة مواقع، دون أن يضطر المستخدم إلى زيارة أيّ منها. هذا الأسلوب، وإن بدا مريحًا للمستخدم، يُقلّص من حركة المرور إلى المواقع الأصلية، ويُهدد نماذج الإيرادات القائمة على الإعلانات أو الاشتراكات.

ناقوس الخطر يدق

تقرير حديث صادر عن مؤسسة “Gartner” الاستشارية، توقع أن تشهد حركة البحث التقليدية تراجعًا بنسبة تصل إلى 25% بحلول عام 2026، نتيجة اعتماد المستخدمين بشكل متزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث والاستفسار. وهو تحول لا يهدد محركات البحث فحسب، بل يمتد إلى الناشرين ومنشئي المحتوى الذين يعتمدون على عدد الزيارات لتحقيق الأرباح.

المدونات، الصحف الرقمية، المنتديات، وحتى مواقع المراجع مثل “ويكيبيديا” بدأت جميعها تُعاني من تقلص في أعداد الزائرين، ما يعكس تأثيرًا مباشرًا على الإيرادات ويثير التساؤلات حول مستقبل منظومة النشر الإلكتروني بأكملها.

معركة المحتوى: منشئو المحتوى في مواجهة “الآلة”

يواجه منشئو المحتوى، من صحفيين وكتّاب ومدوّنين، معضلة وجودية في هذه المعادلة الجديدة. فمع قيام نماذج الذكاء الاصطناعي بجمع المحتوى من الإنترنت وتقديمه للمستخدم بشكل مباشر، تتضاءل أهمية زيارة الموقع الأصلي، ما يُفقد صناع المحتوى فرصتهم في تحقيق الدخل من خلال الإعلانات أو الاشتراكات.

يصف بعض الخبراء هذه الحالة بأنها “استغلال غير مباشر”، إذ تستفيد شركات الذكاء الاصطناعي من محتوى تم إنتاجه بجهد بشري وموارد مالية، دون تقديم مقابل مادي أو نسبة مشاركة عادلة في الأرباح.

حلول مطروحة.. ولكن!

لم تكن استجابة قطاع الإعلام بطيئة، بل بدأت بالفعل محاولات للتكيّف مع هذا الواقع المستجد. من أبرز هذه المحاولات:

  • التحول إلى نماذج الاشتراك: اتجهت مؤسسات إعلامية كبرى، مثل “نيويورك تايمز”، إلى تعزيز نماذج الاشتراك المدفوع، في محاولة لتقليل الاعتماد على إيرادات الإعلانات. ومع أن هذه الخطوة تُفيد الكيانات الإعلامية الكبيرة، فإنها تترك منشئي المحتوى المستقلين في مواجهة غير متكافئة.

  • التشريعات وحقوق النشر: تتصاعد الدعوات نحو وضع أطر قانونية تُجبر شركات الذكاء الاصطناعي على احترام حقوق الطبع والنشر، وتحصيل تراخيص لاستخدام المحتوى في تدريب النماذج أو تقديم الإجابات. إلا أن تطبيق هذه القوانين على مستوى دولي يواجه صعوبات تتعلق بالتنفيذ عبر الحدود والاختصاصات القضائية.

  • تقنيات البلوك تشين: ثمة توجه نحو استخدام تقنيات مثل “البلوك تشين” لإنشاء آليات دفع دقيقة ومباشرة، تسمح لمنشئي المحتوى بالحصول على تعويض مادي فوري عند استخدام أعمالهم. غير أن هذه الحلول ما تزال في مراحلها الأولى، وتعاني من نقص في البنية التحتية والدعم التنظيمي.

مستقبل الإنترنت على المحك

السؤال المحوري الذي يطرحه هذا التحول هو: هل يمكن للإنترنت أن يبقى فضاءً مفتوحًا ومتعدد الأطراف في ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي؟ يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي قد يجعل التصفح أكثر كفاءة وسلاسة، إذ يوفّر المعلومات المطلوبة دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مشبعة بالإعلانات.

لكن في المقابل، هناك من يُحذر من أن هيمنة عدد محدود من أدوات الذكاء الاصطناعي الكبرى، قد تؤدي إلى تقليص التنوع والتعددية التي لطالما ميزت الشبكة العنكبوتية، بما يهدد بتكوين “إنترنت مغلق” تتحكم فيه شركات التكنولوجيا الكبرى، ويُقصى منه صناع المحتوى المستقلون والناشرون الصغار.

ما بين الكفاءة وسهولة الوصول من جهة، وحقوق النشر ودعم المحتوى الأصلي من جهة أخرى، يقف مستقبل الإنترنت عند مفترق طرق. والمطلوب اليوم هو إعادة صياغة قواعد اللعبة، بشكل يوازن بين تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وضمان العدالة والاستمرارية لمنظومة المحتوى الرقمي. فبدون هذا التوازن، قد نفقد أحد أهم ركائز العصر الرقمي: إنترنت حر، مفتوح، ومتعدد الأصوات.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى