اللاذقية – الأمم المتحدة | يوليو 2025
في استجابة إنسانية عاجلة لتداعيات كارثية خلّفتها موجة حرائق غير مسبوقة اجتاحت محافظة اللاذقية في الساحل السوري، أعلن آدم عبد المولى، المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في سوريا، عن تخصيص مبلغ قدره 625 ألف دولار أمريكي من “صندوق سوريا الإنساني” لدعم جهود الإغاثة الطارئة، وتقديم المساعدات الأساسية للمتضررين من الكارثة البيئية.
جاء هذا الإعلان في بيان رسمي أصدره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، مؤكدًا أن هذه الأموال ستُستخدم لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، وتمكين منظمات العمل الإنساني من التدخل الفوري لتوفير المأوى والمياه والغذاء والدعم الطبي والنفسي لآلاف السكان الذين طالتهم الحرائق بشكل مباشر.
حرائق تخرج عن السيطرة
شهدت محافظة اللاذقية في الأيام الأخيرة موجة حرائق غابات ضخمة، أتت على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمناطق الحرجية، وسط درجات حرارة مرتفعة ورياح نشطة ساعدت على انتشار النيران بسرعة مدمّرة. وتشير التقارير الأولية إلى أن عشرات القرى تأثرت، وتم تسجيل نزوح مئات العائلات من منازلها، في وقت لا تزال فيه فرق الإطفاء والإغاثة تواصل العمل في ظروف صعبة لاحتواء النيران.
وقال عبد المولى في تصريح رسمي:
“لقد خلّفت هذه الحرائق عواقب كارثية على المجتمعات المحلية، وأثّرت بشكل مباشر على حياة السكان، ما استدعى تدخّلنا العاجل. نحن نتضامن مع الشعب السوري في هذا الظرف العصيب، وسنبذل أقصى ما بوسعنا لدعم الشركاء المحليين والدوليين في تلبية احتياجات المتضررين”.
وأضاف أن الكارثة البيئية باتت تهدد بنية المجتمعات الساحلية بشكل حاد، نظرًا لما سببته من دمار للبنية التحتية الحيوية وتعطيل للأنشطة الاقتصادية وسبل كسب العيش، خاصة في القرى التي تعتمد على الزراعة كمصدر أساسي للدخل.
عمليات تقييم مستمرة
وفيما لا تزال النيران تواصل زحفها في بعض المناطق، يجري حاليًا تقييم الأضرار في أكثر من 60 مجتمعًا محليًا تضرر بفعل النيران، حيث تعمل فرق الأمم المتحدة بالتعاون مع السلطات السورية والشركاء الميدانيين على رصد حجم الخسائر وتحديد الأولويات الإنسانية الأكثر إلحاحًا.
وكشف مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن الاستجابة الحالية تركز على توفير المواد غير الغذائية، والإيواء المؤقت، ودعم خدمات الصحة والمياه والصرف الصحي، إلى جانب تقديم المساعدة الغذائية العاجلة للأسر التي فقدت مصادر رزقها.
نداء عاجل للجهات المانحة
في سياق متصل، وجّه عبد المولى نداءً مفتوحًا إلى المجتمع الدولي والجهات المانحة لحشد مزيد من الموارد المالية والاستجابة العاجلة لمواجهة تداعيات الأزمة، قائلاً:
“ما نشهده في اللاذقية يفوق الإمكانيات المحلية المتاحة، والوضع على الأرض ينذر بتدهور أكبر إذا لم نتدخل على نحو أوسع. نحتاج إلى تضامن دولي حقيقي لمساعدة المجتمعات المنكوبة على تجاوز هذه الكارثة”.
وأوضح أن الأمم المتحدة على استعداد لتوسيع نطاق استجابتها وحشد دعم إضافي حسب تطورات الموقف، مؤكدًا أن الأولوية القصوى حاليًا هي إنقاذ الأرواح، ومنع مزيد من التشريد، والتخفيف من المعاناة الإنسانية في المنطقة المتأثرة.
تداعيات بيئية واقتصادية
لم تقتصر آثار الحرائق على الجانب الإنساني فقط، بل امتدت لتشمل تداعيات بيئية مدمّرة، وسط مخاوف من انقراض مساحات خضراء كبيرة وفقدان أنواع نباتية محلية نادرة. كما تشير تقديرات أولية إلى أن الحرائق دمرت آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، مما يهدد الموسم الزراعي المقبل، ويعمّق من أزمة الأمن الغذائي في سوريا التي تعاني بالفعل من تحديات اقتصادية وإنسانية جمة منذ أكثر من عقد.
تضامن محلي واستنفار إغاثي
من جانبها، تواصل السلطات السورية، بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية المحلية والدولية، جهودها للسيطرة على الوضع وتقديم الدعم اللازم للمتضررين، فيما بدأت حملات تضامن شعبية داخل سوريا لجمع التبرعات وتوفير الاحتياجات الأساسية للعائلات المنكوبة.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن “جهود التنسيق مع الشركاء المحليين تسير بوتيرة مكثفة”، مشددًا على أن المجتمع الدولي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى للوقوف بجانب الشعب السوري في محنته.
الكوارث لا تطرق الأبواب، ولكن آثارها تطال كل بيت في محيطها. وما جرى في اللاذقية ليس مجرد حريق عابر، بل مأساة إنسانية وبيئية تعكس هشاشة الواقع الإنساني في بلد مثقل بجراح الحرب والأزمات. وبينما يحترق الأخضر واليابس في القرى الجبلية، تبقى آمال السوريين معلقة على استجابة عاجلة تنقذ ما يمكن إنقاذه، وتعيد للناس بعضًا من الطمأنينة المفقودة في وطن يتلوّى تحت ألسنة النار منذ سنوات.




