
يُعد السحب من المخزون الاستراتيجي النفطي للدول الكبرى أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الحكومات للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، خاصة في أوقات الأزمات والطوارئ. وتلجأ الدول إلى هذه الآلية عندما تتعرض الإمدادات النفطية العالمية لاضطرابات نتيجة الحروب أو تعطل طرق النقل أو الارتفاعات القياسية في الأسعار، حيث يتم ضخ كميات إضافية من النفط في الأسواق لتعويض أي نقص محتمل، وتهدئة حركة الأسعار والحد من الضغوط التضخمية.
ويهدف هذا الإجراء في المقام الأول إلى إعادة التوازن بين العرض والطلب في السوق العالمية، عبر إتاحة كميات من النفط المخزنة مسبقًا ضمن الاحتياطيات الاستراتيجية، وهو ما يساعد على تجنب حدوث قفزات حادة في الأسعار قد تؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمي.
آليات السحب من الاحتياطيات النفطية
تعتمد الدول في تنفيذ عمليات السحب من الاحتياطيات النفطية على عدة آليات مختلفة، وفقًا لطبيعة المخزون المتاح لديها. ففي حالة المخزونات الحكومية العامة، يمكن طرح كميات من النفط في الأسواق من خلال المناقصات أو القروض المؤقتة لشركات الطاقة، وذلك وفق الحصص المحددة واحتياجات السوق المحلية لكل دولة.
أما في حالة المخزونات الصناعية الإلزامية التي تفرض الحكومات على شركات النفط الاحتفاظ بها، فيتم تخفيف هذه الالتزامات مؤقتًا عبر مراسيم تشريعية أو قرارات إدارية، بما يسمح للشركات باستخدام جزء من هذه الكميات لتلبية الطلب في السوق خلال فترات الأزمات.
قرار تاريخي بضخ 400 مليون برميل
في هذا السياق، وافقت وكالة الطاقة الدولية على ضخ نحو 400 مليون برميل من النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية للدول الأعضاء، في خطوة تُعد الأكبر من نوعها منذ تأسيس الوكالة في سبعينيات القرن الماضي.
ويأتي هذا القرار في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام، والذي تفاقم نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وما تبعها من مخاوف بشأن تعطل صادرات النفط من منطقة الشرق الأوسط.
وأكدت الوكالة أن القرار حظي بموافقة جماعية من الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة، مشيرة إلى أنه يُعد سادس تدخل من نوعه منذ تأسيسها عام 1974 عقب أزمة النفط العالمية.
تحرك جماعي لمواجهة اضطراب غير مسبوق
وقال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إن التحديات التي يواجهها سوق النفط حاليًا غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن الدول الأعضاء استجابت بشكل جماعي وسريع عبر إطلاق أكبر عملية سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخ الوكالة.
وأوضح بيرول أن الكميات التي سيتم ضخها في السوق ستُطرح تدريجيًا خلال فترة زمنية تختلف من دولة إلى أخرى، بما يتناسب مع احتياجاتها الداخلية وظروف السوق العالمية، مع إمكانية اتخاذ إجراءات إضافية من جانب بعض الحكومات إذا استدعت الظروف ذلك.
ارتفاع الأسعار رغم الإجراءات
ورغم الإعلان عن هذا القرار، ارتفعت أسعار النفط بنحو 4% خلال تعاملات أمس، في ظل استمرار المخاوف من تعطل الإمدادات، خاصة مع تزايد الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط العالمية.
ويرى عدد من المحللين أن خطوة السحب من الاحتياطيات قد لا تكون كافية بمفردها لتهدئة الأسواق، ما لم تتراجع التوترات العسكرية في المنطقة.
وقال جاري روس، الرئيس التنفيذي لشركة “بلاك جولد إنفستورز” والمحلل المخضرم في أسواق النفط، إن رد فعل السوق لم يكن مفاجئًا، نظرًا لأن إعلان السحب من الاحتياطيات كان متوقعًا بالفعل. وأضاف أن الأزمة الحالية يصعب السيطرة عليها دون تراجع كبير في الطلب أو ارتفاع ملحوظ في الأسعار، ما لم ينتهِ الصراع الدائر في المنطقة.
أهمية وتيرة السحب اليومية
ويشير محللون أيضًا إلى أن تأثير القرار لن يعتمد فقط على إجمالي الكمية المعلنة، بل على وتيرة ضخ النفط يوميًا في السوق.
فعلى سبيل المثال، إذا تم ضخ 100 مليون برميل خلال شهر واحد، فإن الكمية اليومية ستبلغ نحو 3.3 مليون برميل، وهي نسبة محدودة مقارنة بحجم التعطل الحالي في الإمدادات الذي يقدر بنحو 20 مليون برميل يوميًا، خاصة في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز.
سوابق تاريخية للسحب من الاحتياطيات
وكانت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية قد وافقت في عام 2022 على سحب نحو 182.7 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية على مرحلتين، وذلك عقب اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهي الخطوة التي كانت تُعد حينها الأكبر في تاريخ الوكالة قبل القرار الأخير.
اليابان تعلن مساهمتها في الخطة
وفي إطار السحب المنسق للاحتياطيات، أعلنت اليابان – وهي عضو في مجموعة السبع – عزمها سحب نحو 80 مليون برميل من النفط من مخزوناتها الاستراتيجية العامة والخاصة، للمساهمة في استقرار السوق العالمية.
وقالت رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في بيان رسمي إن بلادها لن تنتظر الموافقة الرسمية النهائية من وكالة الطاقة الدولية لبدء السحب المنسق، مؤكدة أن الحكومة ستتحرك سريعًا لتخفيف الضغوط على سوق الطاقة العالمية.
وأشارت إلى أن اليابان قد تبدأ بالفعل في ضخ هذه الكميات في الأسواق اعتبارًا من السادس عشر من الشهر الجاري.
تنسيق غربي عبر وكالة الطاقة الدولية
وتتولى وكالة الطاقة الدولية تنسيق عمليات السحب من المخزونات النفطية الاستراتيجية بين الدول الغربية، وهي المنظمة التي تأسست عام 1974 عقب أزمة النفط العالمية التي شهدها العالم في ذلك الوقت.
وتشير تقديرات الوكالة إلى أن الدول الأعضاء تمتلك احتياطيات طارئة تزيد على 1.2 مليار برميل من النفط، إلى جانب نحو 600 مليون برميل إضافية تحتفظ بها شركات النفط والتكرير وفق متطلبات تفرضها الحكومات لضمان أمن الطاقة.
مرحلة تحول حاسمة في سوق الطاقة
وحذر مدير وكالة الطاقة الدولية من أن سوق النفط العالمية تمر حاليًا بمرحلة تحول حاسمة في ظل تداعيات الحرب والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى اضطرابات غير مسبوقة في الإمدادات.
وأشار إلى أن الصراع في المنطقة تسبب في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في تاريخها، ما أدى إلى حالة واسعة من عدم اليقين في الأسواق الدولية وأثر بشكل مباشر على حركة التجارة والطاقة.
مخاطر متزايدة على الملاحة البحرية
وفي سياق متصل، ذكرت وكالة أسوشيتد برس نقلًا عن المركز المشترك للعمليات البحرية أن ما لا يقل عن 19 سفينة تجارية تعرضت لأضرار منذ اندلاع الحرب في المنطقة.
وأوضحت البيانات أن 16 سفينة من بين هذه السفن تضررت في منطقة الخليج والمياه المحيطة به، الأمر الذي يعكس حجم المخاطر التي تواجه حركة الملاحة البحرية في أحد أهم ممرات نقل النفط في العالم.
وفي ظل هذه التطورات المتسارعة، تبقى أسواق النفط العالمية أمام اختبار صعب، حيث يترقب المستثمرون والاقتصاديون ما إذا كانت الإجراءات الطارئة التي اتخذتها الدول الكبرى ستنجح في تهدئة الأسواق، أم أن استمرار التوترات الجيوسياسية سيقود إلى موجة جديدة من التقلبات في أسعار الطاقة خلال الفترة المقبلة.




