
دينا زكريا
حكاية فنان لم يكن بطلًا في «الأفيش».. لكنه حفر اسمه في ذاكرة السينما بخفة دمه وصدق أدائه
وسط زحام النجوم وبريق الأضواء، هناك من يضيء مسيرته بموهبته وحدها، حتى إن لم يتصدر بطولات أو يُكتب اسمه بخط عريض على بوستر فيلم.. من هؤلاء كان الفنان المصري سعيد أبو بكر، الذي جسّد أدوارًا بقيت في ذاكرة الجمهور، أبرزها شخصية “شيبوب” في فيلم عنتر بن شداد أمام فريد شوقي، وهي الشخصية التي تحولت إلى أيقونة فنية للدهاء الشعبي والبساطة الكوميدية.
من طنطا إلى خشبة المسرح
وُلد سعيد أبو بكر في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، يوم 20 نوفمبر 1913. نشأ في بيئة بسيطة، لكنه امتلك شغفًا كبيرًا بالفن منذ صغره، ما دفعه للسير في طريق غير مألوف. بدأ تعليمه في مدارس طنطا، وحين أتم البكالوريا، لم يسلك طريق الوظيفة التقليدية، بل اختار الفن مسارًا لحياته.
التحق سعيد بفرقة “رمسيس”، وكان يتقاضى أجرًا لا يتجاوز ثلاثة جنيهات شهريًا. وبرغم ضآلة المبلغ، إلا أن الحلم كان أكبر من الحسابات. ترك الفرقة وسافر إلى السويس بحثًا عن فرصة جديدة، فعمل أمين مخازن في المجلس البلدي، لكنه لم يبتعد عن حلمه لحظة واحدة.
المعهد العالي لفن التمثيل.. بداية الانطلاقة
مع تأسيس زكي طليمات للمعهد العالي لفن التمثيل، كان سعيد أبو بكر من أوائل المنتسبين. وهناك، بدأ بالفعل في شق طريقه إلى عالم المسرح والسينما، معتمدًا على موهبة فطرية وصقل أكاديمي محترف.
مسرحيات وأدوار لا تُنسى
تألق سعيد في إخراج عدة مسرحيات ناجحة، منها: صندوق الدنيا، بابا عايز يتجوز، حواء، والناس اللي فوق. وعلى الخشبة، أبدع تمثيلًا في مسرحيات شهيرة مثل: البخيل، مسمار جحا، ومريض بالوهم.
كان يُجيد دائمًا أن يُطوّع الدور لصالحه، فيضيف إليه من روحه وخفة ظله، فيتحول الدور الثاني إلى مشهد أول في ذاكرة الجمهور.
السينما.. أدوار صغيرة بحضور كبير
دخل سعيد أبو بكر عالم السينما من بوابة فيلم يوم سعيد، وشارك بعدها في الوردة البيضاء من إخراج محمد كريم. وعلى الرغم من أن أدواره في معظم الأعمال كانت مساندة أو ثانوية، إلا أن حضوره الطاغي جعل اسمه لا يُنسى.
في فيلم السبع أفندي، سنحت له الفرصة لتقديم دور بطولة، لكنه ظل دائمًا أحد أفضل من قدّموا شخصية “السنيد” بإبداع لا يُجارى.
قصة حب لم تكتمل
في حياته الخاصة، ارتبط عاطفيًا بالفنانة ماجدة، وتمت خطبتهما رسميًا، إلا أن العلاقة لم تُكلل بالزواج، ولم يتزوج سعيد بعدها، وظل أعزب حتى وفاته.
وداع في السماء
رحل سعيد أبو بكر بطريقة درامية تليق بفنان حمل المسرح في قلبه. فقد لفظ أنفاسه الأخيرة أثناء رحلة جوية، إثر نوبة قلبية مفاجئة، يوم 16 أكتوبر عام 1971، بينما كانت الطائرة محلّقة في السماء خلال رحلة استغرقت 17 ساعة، حتى هبطت في مطار إسكتلندا.
الأثر الباقي
لم يكن سعيد أبو بكر نجم شباك، ولا تصدّر صور الأفلام، لكنه تصدّر قلوب الناس، بحضوره، وموهبته، وروحه التي سكنت كل شخصية قدّمها. كان نموذجًا للفنان الحقيقي الذي لا يسعى إلى الأضواء، بل يكتفي بأن يترك أثرًا صادقًا لا يُمحى.
العبرة من القصة
قصة سعيد أبو بكر تقول لنا: إن النجاح لا يُقاس بمساحة الدور، ولا بموقع الاسم على التتر، بل بالأثر الذي تتركه في القلوب. قد لا يتذكر الناس كل الأبطال، لكنهم يتذكرون جيدًا من أضحكهم وأثر فيهم دون ادعاء أو صخب.





