
دينا زكريا
في زحمة العلاقات وتفاصيل الحياة اليومية، قد يجد الإنسان نفسه في موقع لا يشبهه، ولا يليق به. موقع الظل، الانتظار، والدور الثانوي في حياة من يحبهم. ليس لأنه لا يستحق الأولوية، بل لأن الطرف الآخر لا يملك النضج الكافي ليعامله بما يليق.
بعض العلاقات لا تقوم على المساواة، وإنما على الاحتياج.
هناك أشخاص لا يرون فيك إنسانًا كاملًا بمشاعره وتفاصيله، بل فقط كائنًا ناعمًا، هادئًا، يحتويهم وقت الحزن، يُضحكهم وقت الضيق، ويُطبطب على أرواحهم المتعبة كلما اشتد عليهم التعب. وجودك في حياتهم مهم، لكن ليس لأنهم يحبونك، بل لأنك تمنحهم راحة دون أن تطلب شيئًا.
يشبهونك بكرسي مريح يوضع في زاوية المنزل، لا أحد يهتم إن كان مكسورًا أو قديمًا، طالما يؤدي دوره في الراحة بعد يوم طويل.
“قطعة أثاث عاطفية”.. هذا هو المعنى المؤلم الذي يعيشه البعض دون أن يدرك.
هؤلاء الأشخاص لا يتساءلون: ما الذي يريحك؟ هل أنت بخير؟ هل تحتاج إلى من يسمعك كما تسمعهم؟ هل مررت بيوم سيئ؟ كل ما يهمهم أن تكون حاضرًا، صامتًا، متسامحًا، ودائمًا على استعداد لتمنحهم الأمان الذي لا يجدونه في مكان آخر.
اللاعدالة في العلاقات ليست دائمًا واضحة.
ففي كثير من الأحيان، تأخذ طابعًا ناعمًا وخفيًا، لا يُقال فيه شيء صريح، ولا تُكسر فيه القلوب بوضوح، بل يُستخدم فيه الصمت والتجاهل كأدوات للإقصاء التدريجي. فتجد نفسك في علاقة تطالبك دومًا بأن تفهم الطرف الآخر، دون أن يحاول هو فهمك.
الإهانة لا تكون دائمًا بكلمة جارحة، بل أحيانًا تكون في التهميش.
في أن تكون موجودًا فقط عندما يحتاجك أحدهم. في أن تُمنَح مكانة “المريح” دون أن تُسأل: هل أنت مرتاح؟ أن يُطلب منك الحضور، دون أن يُعرض عليك البقاء.
الفرق كبير بين أن تكون أولوية، وأن تكون وسيلة راحة.
الفرق في التفاصيل، في السؤال، في المبادرة، في التقدير، في الاهتمام. عندما تكون أولوية، فإنك تصبح شريكًا حقيقيًا في الحياة. أما عندما تُستَخدم كوسيلة راحة، فأنت مجرد ظل يُستدعى عند الحاجة.
الخطير في الأمر، أن بعض الناس يرضخون لهذا الدور طويلاً، تحت مسميات كثيرة: الطيبة، التفهم، الحب، الصبر، أو حتى الخوف من الفقد. فيغرقون في علاقة تُستهلك فيها أرواحهم دون مقابل، ويصعب عليهم التخلّص منها لأنهم اعتادوا أن يُعطوا دون أن يُأخذ منهم شيء.
لكن العلاقات الحقيقية تُبنى على التبادل، لا الاستهلاك.
يحق لكل إنسان أن يكون في علاقة يشعر فيها بأنه مسموع، مرئي، ومهم. لا أن يُعلّق على الرف حتى يُستَخدم، ثم يُعاد لمكانه وكأن شيئًا لم يكن.
إذا وجدت نفسك في علاقة من هذا النوع، فاسأل نفسك: ماذا أُضيف لحياتي من وجودي في هذه العلاقة؟
إذا كان الجواب أن كل ما تُعطيه يُستهلك دون تقدير، فقد حان وقت المراجعة. وقت أن تُعيد ترتيب أولوياتك، وأن تعود لنفسك، لا لأنك أناني، بل لأن كرامتك تستحق.
فأنت لست “قطعة أثاث” عاطفية.
أنت إنسان.. ولست مجرد وسيلة راحة.




