المصري الوطني

أسد بن الفرات سؤال النهضة بين المعرفة والقوة

بقلمي / د. محمد يوسف عرابين

بعض الشخصيات في التاريخ لا تبقى لأنها انتصرت في معركة، بل لأنها طرحت نموذجًا إنسانيًا يتجاوز زمنها. ومن هؤلاء أسد بن الفرات، الفقيه المالكي الذي قاد حملة صقلية في القرن الثالث الهجري، فجمع بين عمق العالم وجرأة القائد.

9632fac5 d5f9 4bfe 9ae0 84b042e4cdbb

نشأ أسد بن الفرات في القيروان، إحدى أهم حواضر الغرب الإسلامي، وارتحل إلى المشرق طلبًا للعلم، فنهل من مدارس فقهية متعددة، وعاد برؤية تتجاوز الانغلاق المذهبي. لكن اللحظة الفارقة في سيرته لم تكن في حلقات الدرس، بل حين تولّى قيادة جيشٍ وهو في سن متقدمة، مؤمنًا بأن العلم ليس اعتزالًا للحياة، بل انخراطٌ مسؤول فيها.

هذه المفارقة تطرح سؤالًا معاصرًا بامتياز: ما وظيفة المعرفة في مجتمعاتنا اليوم؟ في واقعنا العربي، تبدو الفجوة واسعة بين الفكر وصناعة القرار. المثقف غالبًا ما يراقب من بعيد، والسلطة تتحرك أحيانًا بلا سند معرفي كافٍ. وبين الطرفين تضيع فرص النهضة.

إن تجربة أسد بن الفرات تكشف عن تصور حضاري مختلف؛ حيث لم يكن العالم منفصلًا عن الشأن العام، ولم تكن القوة منفصلة عن القيم. كان العلم عنده أمانة، وكانت القيادة تكليفًا أخلاقيًا. هذه الوحدة بين العقل والإرادة هي ما منح الحضارة الإسلامية في طورها التأسيسي طاقتها على التمدد والتأثير.

لسنا مدعوين إلى استدعاء الماضي بحمولته التاريخية، ولا إلى إسقاطه على الحاضر بصورة حرفية، لكننا مدعوون إلى فهم منطقه الداخلي. فالتقدم لا يتحقق بكثرة الشعارات، بل بتكامل المعرفة مع الفعل. القوة إذا لم تستند إلى رؤية تتحول إلى اندفاع، والمعرفة إذا لم تتحول إلى ممارسة تبقى حبيسة الكتب.

أسد بن الفرات ليس مجرد اسم في سجل الفتوحات، بل رمز لفكرة أعمق: أن النهضة تبدأ حين يدرك أصحاب العلم أنهم شركاء في صناعة المصير، وحين تدرك مراكز القرار أن المعرفة ليست ترفًا، بل شرطًا للبقاء.

ربما نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف العلاقة بين المثقف والدولة، بين الجامعة والمجتمع، بين الفكر والسياسة. فحين يصبح العلم مسؤولية تاريخية، وتصبح القوة خادمةً للقيم، يمكن أن يبدأ التاريخ في الحركة من جديد.

عن الكاتب:
د. محمد يوسف عرابين أكاديمي وباحث بجامعة طنطا، متخصص في قضايا الفكر الحضاري والتنمية والدراسات الاستراتيجية، وله إسهامات بحثية ومقالات في مجالات الاقتصاد السياسي وأمن الطاقة وتحولات الدولة المعاصرة.

تحياتي
م. محمد يوسف عرابين
إلي اللقاء

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى