
كتبت / دينا زكريا
في زمنٍ يتقن فيه الجميع فن إخفاء ما بداخلهم، أصبحت الجمل القصيرة هي أكثر ما يفضح الصمت. تلك الجمل البسيطة التي تُقال ببرودٍ ظاهري، بينما خلفها تنهار الروح بصمتٍ كامل.
كم مرة جلست أمام شاشة هاتفك أو لوحة المفاتيح، تكتب بحرقة ما تشعر به، ثم تمسح كل شيء وتكتفي بكلمة «إنت حر»؟ ليست حرية الآخر ما تعنيك، بل هو إعلان استسلام ناعم، يقول: “مش هشرح تاني.. خلاص فهمت.”
وكم مرة كنت على وشك أن تحكي ما وجعك، ثم تراجعت، وكتبت ببرود مصطنع «أنا كويس»؟ بينما الحقيقة أن عينيك كانت تفضحك، وصوتك المرتبك كان يصرخ بما لم يُكتب.
كم مرة كدت تلوم شخصًا خذلك، ثم محوت الرسالة وكتبت «لا خالص، مفيش حاجة»؟ أنت الذي تمارس الصمت بدافع الكرامة، وتغلف خيبتك بابتسامة تحفظ لك ما تبقى من هدوء.
وكم مرة كنت على وشك أن تبرر موقفًا فُهم خطأ، ثم قلت في نفسك «ملهاش لازمة»؟ ليس لأنك لا تهتم، بل لأنك سئمت أن تشرح لقلب لا يريد أن يسمع.
نحن جيلٌ تعلم أن يضع القناع في الوقت المناسب، أن يخفي التعب بكلمة عابرة، وأن يحوّل الوجع إلى مزحة أو سكون.
لكن خلف كل “أنا كويس” هناك قصة لم تُحكَ، ووراء كل “إنت حر” قرار بالرحيل دون ضوضاء.
الحياة تُرهق من يشرح كثيرًا، والمشاعر تنكسر من التبرير المتكرر. لذلك نختار الصمت، لا لأننا بخير، بل لأننا اكتفينا.
أوعوا تخلعوا القناع فجأة، فالعالم لا يحتمل وجوهنا الحقيقية بهذا القدر من الصدق، لكنه أيضًا لا يستحق أن نعيش خلف أقنعة للأبد.




