
في إطار حرص الدولة على تنظيم منظومة المرور وضمان السلامة العامة واحترام الجوانب الإنسانية والصحية المرتبطة بنقل المتوفين، نصت المادة (165) من قانون المرور على مجموعة دقيقة من الاشتراطات الفنية والإجرائية التي يجب توافرها في سيارات نقل الموتى. هذه الاشتراطات لا تستهدف فقط ضبط الشكل القانوني لتلك المركبات، وإنما تهدف بالأساس إلى الحفاظ على كرامة المتوفى، وحماية السائقين والركاب، وتسهيل إجراءات الترخيص ومنع سحبها حال الالتزام بالقواعد المنظمة.
وتأتي هذه المادة ضمن حزمة من التشريعات التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين متطلبات السلامة المرورية، والاعتبارات الصحية، والجوانب الإنسانية المرتبطة بعملية نقل الجثامين، خاصة في ظل ما شهدته السنوات الأخيرة من تطوير في منظومة النقل والخدمات المرتبطة بها.
سيارة مخصصة ومغلقة لنقل الموتى
أولى الاشتراطات التي نصت عليها المادة (165) هي أن تكون السيارة معدة خصيصًا لنقل الموتى، وأن تكون من النوع المقفول. ويعني ذلك حظر استخدام السيارات العادية أو المكشوفة أو غير المجهزة لهذا الغرض، لما قد يسببه ذلك من مخاطر صحية أو إساءة لحرمة المتوفى. فالسيارة المقفولة تضمن الخصوصية، وتحول دون تعرض الجثمان للعوامل الخارجية أو أعين المارة، وهو ما يتوافق مع الأعراف المجتمعية والاعتبارات الدينية.

أبعاد المكان المخصص لنقل المتوفى
حددت المادة أبعادًا دقيقة للمكان المخصص لنقل الموتى داخل السيارة، حيث اشترطت ألا يقل طول هذا المكان عن 225 سنتيمترًا، وألا يقل عرضه عن 95 سنتيمترًا. وتأتي هذه الأبعاد لضمان استيعاب النعش أو الجثمان بشكل لائق وآمن دون ضغط أو تزاحم.
كما ألزمت المادة بأن يكون هذا الجزء مزودًا بتهوية كاملة، بما يراعي الاشتراطات الصحية ويمنع تراكم الروائح أو الغازات. وشددت النصوص على عدم السماح بوجود أي مقاعد في هذا المكان، وأن يكون منفصلًا تمامًا عن الجزء المخصص لجلوس الركاب، وذلك للفصل التام بين الجثمان والأشخاص المرافقين، حفاظًا على السلامة والخصوصية في آن واحد.
تنظيم عدد الركاب داخل السيارة
لم يغفل قانون المرور تنظيم الجزء المخصص للركاب داخل سيارة نقل الموتى، حيث نصت المادة (165) على تحديد عدد الركاب وفق معايير واضحة، تقوم على تخصيص 50 سنتيمترًا من طول المقعد لقائد السيارة، و40 سنتيمترًا لكل راكب آخر. ويهدف هذا التنظيم إلى منع التكدس داخل المركبة، وضمان راحة الجالسين وسلامتهم أثناء السير.
كما أجاز القانون وجود مقعد خلف مقعد قائد السيارة، بشرط ألا تقل المسافة بين مقدمة هذا المقعد وظهر مسند القائد عن 25 سنتيمترًا، وهو شرط يراعي سهولة الحركة داخل السيارة، ويضمن عدم تقييد السائق أثناء القيادة.
أبعاد هندسية إلزامية للسلامة
وضعت المادة (165) مجموعة من الأبعاد الهندسية الإلزامية التي يجب عدم تجاوزها في جميع الحالات، وذلك لضمان الحد الأدنى من معايير السلامة والراحة. ومن بين هذه الاشتراطات:
- ألا يقل الارتفاع بين سطح أي مقعد وسقف السيارة عن 85 سنتيمترًا، بما يسمح للركاب بالجلوس في وضع مريح دون انحناء أو ضغط.
- ألا تقل المسافة بين أقرب نقطة من عجلة جهاز القيادة ومقدمة مسند المقعد الأمامي عن 35 سنتيمترًا، وهو ما يضمن حرية حركة السائق وتحكمه الكامل في عجلة القيادة.
- ألا يقل عرض أي مقعد داخل السيارة عن 35 سنتيمترًا، وألا يقل سمك مسنده عن 10 سنتيمترات، لضمان توفير الدعم الكافي للجالسين وتقليل الإجهاد أثناء الرحلات.
الأبواب وسهولة الدخول والخروج
من الاشتراطات المهمة التي نص عليها القانون ضرورة تزويد سيارة نقل الموتى بباب خلفي، بالإضافة إلى بابي مقعد السائق. وألزم بأن لا يقل اتساع فتحة كل من هذه الأبواب عن 50 سنتيمترًا، وذلك لتسهيل عملية إدخال وإخراج الجثمان، وضمان سهولة حركة السائق والركاب دون عوائق.
ويعكس هذا الشرط اهتمام المشرّع بالجوانب العملية المرتبطة بمهام سيارات نقل الموتى، خاصة في الحالات الطارئة أو في الأماكن ذات المساحات المحدودة.

النوافذ والخصوصية
حرصت المادة (165) كذلك على مراعاة الخصوصية، فنصت على ضرورة تغطية النوافذ الجانبية بستائر في حال عدم كون زجاجها قاتم اللون أو من النوع المصنفر. ويهدف هذا الإجراء إلى منع رؤية ما بداخل السيارة من الخارج، احترامًا لحرمة المتوفى ولمشاعر ذويه.
البيانات التعريفية على السيارة
ألزم القانون بكتابة رقم السيارة والغرض المخصصة من أجله على جانبيها بشكل واضح. ويأتي هذا الإجراء في إطار تعزيز الشفافية، وتسهيل مهمة الجهات الرقابية في التعرف على طبيعة المركبة، وضمان عدم إساءة استخدامها في أغراض أخرى مخالفة للقانون.
بين التنظيم والالتزام
تمثل المادة (165) من قانون المرور نموذجًا للتشريعات التي تجمع بين الدقة الفنية والبعد الإنساني. فالالتزام بهذه الاشتراطات لا يحمي السائق من سحب الترخيص فحسب، بل يسهم أيضًا في رفع مستوى الخدمة المقدمة، واحترام كرامة الإنسان حتى بعد وفاته.
وفي ظل التشديدات الرقابية المستمرة من إدارات المرور، بات من الضروري على أصحاب سيارات نقل الموتى والسائقين العاملين عليها الالتزام الكامل بهذه القواعد، سواء عند تجهيز المركبات أو عند التقدم لاستخراج أو تجديد التراخيص.

يمكن القول إن تنظيم عمل سيارات نقل الموتى وفقًا للمادة (165) يعكس وعيًا تشريعيًا بأهمية هذا القطاع الخدمي الحساس. فهو قطاع لا يرتبط فقط بحركة المرور، بل يمس مشاعر المجتمع وقيمه، ويستوجب أعلى درجات الانضباط والاحترام. ومن هنا، فإن الالتزام بهذه الاشتراطات ليس مجرد واجب قانوني، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية في المقام الأول.




