
كتب : المستشار الدكتور / عصام موريس فرج

مع كل موجة جديدة من الهجمات السيبرانية، يعود الجدل إلى نقطة البداية: القوانين، الاتفاقيات، الأطر التنظيمية. على الورق، تبدو الصورة مكتملة؛ فهناك مبادئ عامة، و التزامات رسمية، ونصوص تحاول رسم حدود للفضاء الرقمي.
لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا:
هل تستطيع هذه المنظومة القانونية أن تواكب تهديدًا يعيد تشكيل نفسه كل يوم؟
و الإجابة هنا، ليست أحادية الاتجاه. فبرغم ان القانون يتحرك بالفعل… إلا أن إيقاعه مختلف لان التشريع بطبيعته عملية بطيئة. فهو يحتاج إلى نقاش، ثم توافق، ثم صياغة دقيقة، ثم آليات تنفيذ.
هل تكفي التشريعات الدولية لاحتواء التهديدات السيبرانية؟
بينما على الجهة الأخرى، يتطور المشهد السيبراني بوتيرة لا تعترف بالانتظار ولا تعرف التباطؤ.
كما أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذه المعادلة، أدى الى اتساع المسافة أكثر و أكثر . فالأدوات يمكن تحديثها خلال أيام، و النماذج تتعلم ذاتيًا، و الهجمات تُعاد صياغتها لحظيًا. بينما النص القانوني يحتاج الى سنوات ليخرج إلى حيّز التطبيق.
و هنا تتشكل الفجوة و تتسع.
تباين الرؤى بين الدول
إن التحدي لا يكمن في الصياغة فقط، بل في التوافق أيضا. فما تعتبره إحدى الدول اعتداءً سيبرانيًا، قد تراه أخرى وسيلة ضغط مشروعة. وما يتم تجريمه في سياق ما، قد يُترك بلا تنظيم في سياق آخر.
هذا الخلاف حول الأولويات، و المرتبط بالأساس بإعتبارات جيوسياسية، هو ما يجعل من بناء إطار موحّد في فضاء بلا حدود واضحة، مهمة معقدة للغاية.
الذكاء الاصطناعي… عنصر مضاعِف للتعقيد
لم يعد الحديث هنا عن فاعل بشري محدد يمكننا تتبعه بسهولة، بل عن أنظمة قادرة على التعلم واتخاذ قرارات شبه مستقلة، بالإضافة إلى أدوات قد تُستخدم في سياقات متعددة، يصعب تصنيفها مسبقًا كخطر أو كفرصة.
فالقوانين الحالية غالبًا ما تتعامل مع النتيجة بعد وقوعها، لا مع الإمكانات الكامنة قبل أن يتم إساءة استخدامها.
و لكن المعضلة ليست في النصوص وحدها فحتى إذا وجدت التشريعات، تبرز إشكاليات التنفيذ:
مثل صعوبة التتبع عبر الحدود، و ضعف التعاون العملي، وتضارب الاختصاصات.
فالهجوم السيبراني يتجاوز الحدود الجغرافيه، بينما لا تزال سلطة القانون محكومة بها.
و بين الضبط والابتكار،
هناك دائما تخوف من أن يؤدي التشدد التشريعي إلى إبطاء التطور، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي. و لكن، بالرغم من مشروعية هذه المخاوف، إلا أن هذا لا يعني ترك المجال مفتوحًا بلا قواعد.
و الإشكالية الأساسية هنا تكمن في إيجاد تنظيم يقلّص المخاطر، دون المساس بحرية الإبداع.
هل نحتاج إلى مقاربة مختلفة؟
ربما لا يكمن الحل في تكديس المزيد من النصوص التفصيلية، بل في بناء منظومة أكثر مرونة تشتمل على مبادئ واضحة، و التزامات أخلاقية وتقنية، وآليات تعاون تتجاوز البيانات الرسمية.
بالإضافة إلى إطار قابل للتحديث المستمر، لا يكتفي برد الفعل فقط، بل يستبق التحولات.
خلاصة القول ،،،
إن التشريعات الدولية ضرورة، لكنها ليست كافية بذاتها. ففي عالم تحكمه خوارزميات متسارعة، يجب أن يصبح القانون عنصرًا ضمن منظومة أوسع تشمل التقنية، والتنسيق الدولي، والوعي الاستراتيجي بطبيعة الصراع الرقمي.
وما لم تلحق سرعة التشريع بوتيرة التهديد، ستظل الفجوة قائمة بين ما يُصاغ في النصوص القانونية … وما يحدث فعليًا داخل الشبكات.




