علوم و تكنولوجيا

إنستجرام يدرس تحوّلًا استراتيجيًا نحو الفيديوهات الطويلة والمحتوى المدفوع في مواجهة صعود تيك توك

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها عالم المحتوى الرقمي، تلوح في الأفق ملامح تغيير محتمل في استراتيجية منصة «إنستجرام»، إحدى أبرز منصات التواصل الاجتماعي التابعة لشركة «ميتا». فقد ألمح آدم موسيري، رئيس إنستجرام، إلى أن التطبيق قد يشهد خلال السنوات المقبلة إعادة تموضع استراتيجية، تقوم على تعميق الاستثمار في الفيديوهات الطويلة والمحتوى المدفوع، في خطوة تعكس إدراك المنصة لتبدل أنماط استهلاك المحتوى، واحتدام المنافسة مع منصات مثل «تيك توك» و«يوتيوب شورتس»، وربما حتى «يوتيوب» بنموذجه التقليدي القائم على الفيديو طويل المدة.

هذا التوجه المحتمل لا يأتي من فراغ، بل يرتبط بتغيرات بنيوية في سلوك المستخدمين، وتزايد اعتماد صناع المحتوى على المنصات الرقمية كمصدر دخل أساسي، إلى جانب سعي الشركات المالكة لتلك المنصات إلى تنويع مصادر الإيرادات، وتقليل الاعتماد الحصري على الإعلانات.

095ec37c a98a 49a7 95a4 30b6d95b731e f99c.1248
إنستجرام يدرس تحوّلًا استراتيجيًا نحو الفيديوهات الطويلة والمحتوى المدفوع في مواجهة صعود تيك توك

من الصور إلى الفيديو: رحلة التحول التدريجي

منذ إطلاقه عام 2010، عُرف إنستجرام بوصفه منصة لمشاركة الصور، تقوم فكرتها الأساسية على التفاعل البصري السريع، وتوثيق اللحظات اليومية عبر لقطات بسيطة ومباشرة. ومع مرور الوقت، توسعت المنصة لتشمل مقاطع الفيديو القصيرة، ثم القصص (Stories)، قبل أن تدخل بقوة إلى ساحة الفيديو القصير عبر إطلاق ميزة «ريلز»، التي جاءت ردًا مباشرًا على الصعود الكاسح لتطبيق «تيك توك».

وخلال الأعوام الماضية، أصبح الفيديو القصير هو العمود الفقري لتجربة إنستجرام، إذ اعتمدت المنصة عليه كأداة رئيسية لجذب المستخدمين الشباب، وتعزيز معدلات التفاعل، ومواكبة الاتجاهات السريعة في عالم المحتوى. غير أن هذا التركيز المكثف على الفيديو القصير لم يمنع إدارة المنصة من إدراك أن السوق يتغير باستمرار، وأن الاكتفاء بنموذج واحد قد لا يكون كافيًا لضمان النمو المستدام.

تصريحات موسيري: إشارات لا تخلو من الدلالة

في مقابلة حديثة، أوضح آدم موسيري أن إنستجرام ركزت عمدًا خلال السنوات الماضية على المحتوى القصير، باعتباره جزءًا من «هويتها الأساسية» التي تتمحور حول ربط المستخدمين بأصدقائهم، ومساعدتهم في الوقت نفسه على اكتشاف اهتمامات جديدة. لكن موسيري لم يُخفِ أن هذا النهج قد يكون مؤقتًا، في ظل التحولات التي تقودها منصات الفيديو الأخرى.

وأشار رئيس إنستجرام إلى أن تجنب المنافسة المباشرة مع منصات الفيديو الطويل، مثل يوتيوب، قد لا يكون خيارًا دائمًا. وقال بوضوح: «قد يتضح في النهاية أننا بحاجة إلى محتوى مدفوع ليؤدي دوره… وقد نحتاج أيضًا إلى الفيديوهات الطويلة». هذا التصريح، وإن جاء بصيغة احتمالية، يعكس تفكيرًا استراتيجيًا داخل الشركة حول ضرورة تنويع أشكال المحتوى، وعدم الاكتفاء بالنموذج الحالي.

الفيديوهات الطويلة: ضرورة أم مخاطرة؟

الانتقال نحو دعم الفيديوهات الطويلة يطرح تساؤلات عديدة حول هوية إنستجرام ومستقبلها. فمن ناحية، يوفر هذا النوع من المحتوى فرصًا جديدة لجذب صناع محتوى محترفين، وبناء علاقات أعمق مع الجمهور، خاصة في مجالات مثل التعليم، التحليل، الترفيه طويل المدى، والبودكاست المرئي. كما يفتح الباب أمام زيادة زمن بقاء المستخدم داخل التطبيق، وهو عامل حاسم في تعزيز الإيرادات الإعلانية.

ومن ناحية أخرى، يحمل هذا التوجه مخاطر تتعلق بفقدان بساطة التجربة التي ميّزت إنستجرام منذ انطلاقه. فالمنافسة مع يوتيوب في مجال الفيديو الطويل ليست مهمة سهلة، خاصة أن يوتيوب يمتلك بنية تحتية راسخة، ونظامًا متكاملًا لتحقيق الدخل، وثقافة جماهيرية قائمة على متابعة القنوات والمحتوى طويل الأمد.

OIP 1 3

المحتوى المدفوع: رهان على الاقتصاد الإبداعي

إلى جانب الفيديوهات الطويلة، برزت فكرة المحتوى المدفوع والاشتراكات كأحد المحاور الأساسية في حديث موسيري عن مستقبل إنستجرام. وحتى الآن، يعتمد نموذج المنصة بشكل أساسي على الإعلانات، إلى جانب بعض الأدوات التي تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل محدود، مثل الشارات (Badges) أو التعاونات المدفوعة.

غير أن إدخال أنظمة اشتراك أو محتوى مميز مدفوع قد يمثل نقلة نوعية في العلاقة بين المنصة وصناع المحتوى والمستخدمين. فمن خلال هذا النموذج، يمكن للمستخدمين الوصول إلى محتوى حصري، أو تجارب أكثر عمقًا، مقابل رسوم شهرية، بينما يحصل صناع المحتوى على مصدر دخل أكثر استقرارًا واستقلالية عن الإعلانات والخوارزميات.

هذا التوجه يتماشى مع التحولات الأوسع في الاقتصاد الرقمي، حيث بات الجمهور أكثر استعدادًا لدفع المال مقابل محتوى عالي الجودة، أو مقابل دعم صناع محتوى يثق بهم ويتابعهم بانتظام.

اختلاف جوهري عن نموذج يوتيوب

ورغم انفتاحه على فكرة الفيديوهات الطويلة والمحتوى المدفوع، شدد موسيري على أن إنستجرام لا يعتزم تقليد نموذج يوتيوب بشكل كامل. فبحسب رؤيته، يشجع يوتيوب صناع المحتوى على إنتاج فيديوهات طويلة وعالية التكلفة من حيث الإعداد والتصوير والمونتاج، وهو ما قد لا يتناسب مع طبيعة إنستجرام القائمة على التنوع، والسرعة، وتعدد أشكال التعبير.

إنستجرام، وفقًا لهذا التصور، يسعى إلى الحفاظ على طابعه المرن، الذي يسمح بوجود محتوى بسيط إلى جانب محتوى أكثر احترافية، دون فرض معايير إنتاجية صارمة قد تُقصي شريحة واسعة من المستخدمين.

التوسع خارج الهواتف الذكية

في سياق موازٍ، كشف موسيري عن أن إنستجرام لا تزال تستكشف فرص التطور خارج نطاق الهواتف الذكية، وهو توجه يعكس إدراكًا لأهمية التواجد على شاشات وأجهزة متعددة. وقد تجلى ذلك مؤخرًا في إطلاق تطبيق «إنستجرام تي في» لأجهزة Fire TV، والذي يتيح للمستخدمين مشاهدة مقاطع «ريلز» على شاشات أكبر.

هذا التوسع يهدف إلى تعزيز حضور المنصة في غرف المعيشة، ومواكبة تغير عادات المشاهدة، حيث بات المستخدمون يستهلكون المحتوى الرقمي عبر أجهزة التلفزيون الذكية، وليس فقط عبر الهواتف المحمولة.

نحو عصر النظارات الذكية والواقع المختلط

وعند الحديث عن المستقبل الأبعد، أشار موسيري إلى الدور المحتمل للنظارات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء، متوقعًا أن تصبح هذه التقنيات شائعة خلال العقد المقبل، وربما تحل محل الهواتف الذكية تدريجيًا. هذا التحول، إن تحقق، سيطرح تحديات وفرصًا جديدة أمام منصة بصرية مثل إنستجرام.

وأوضح موسيري أن الاعتماد على التفاعل الصوتي أو التجارب الخالية من استخدام اليدين يثير تساؤلات كبيرة حول كيفية تقديم المحتوى البصري، وتصميم واجهات الاستخدام، وضمان تجربة سلسة للمستخدمين في بيئات الواقع المختلط.

OIP 2 3

بين الهوية والتجديد

في المحصلة، تعكس تصريحات آدم موسيري مرحلة من التفكير الاستراتيجي داخل إنستجرام، تقوم على الموازنة بين الحفاظ على الهوية الأصلية للمنصة، والاستجابة لمتغيرات السوق والمنافسة الشرسة في عالم المحتوى الرقمي. فالاستثمار في الفيديوهات الطويلة والمحتوى المدفوع لا يعني بالضرورة التخلي عن الفيديو القصير، بقدر ما يشير إلى سعي لتوسيع الخيارات، وتقديم تجربة أكثر تنوعًا وشمولًا.

وبينما لم تتحول هذه الأفكار بعد إلى قرارات نهائية، فإنها تكشف عن إدراك متزايد بأن مستقبل منصات التواصل الاجتماعي لن يكون أحادي الشكل، بل قائمًا على مزيج من النماذج، والتجارب، والتقنيات، في سباق مفتوح لكسب انتباه المستخدم، وولائه، وثقته.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى