
كتبت / دينا زكريا
في زمنٍ باتت فيه العلاقات تُدار كما تُدار الحسابات البنكية، أصبح وجود البعض في حياتنا أشبه بوَدائع مؤجلة، لا تُستثمر إلا وقت الحاجة.
عبارة صغيرة عابرة مثل: “إنتي جوايا” قد تُذيب قلبًا للحظة، لكنها سرعان ما تنكشف حين يأتي الرد الحقيقي: “أنا مش جواك، أنا حواليك… على الرف تحديدًا، مضمونة، كل ما تحتاجني تلاقيني.“

هي جملة تفتح جرحًا إنسانيًا واسعًا، عن أولئك الذين لا يُحبّون بقدر ما يطمئنون لوجود أحدٍ دائمٍ في الهامش، يحتفظون به كشبكة أمان عاطفية، لا حبًا فيه، بل خوفًا من الفراغ بعد الآخرين.
العلاقات المؤجلة: حب الاحتياط لا الشغف
كم من شخص يعيش اليوم داخل علاقة غير متوازنة، لا لأنه لا يدرك حقيقتها، بل لأنه تعوّد أن يُحَبّ على الهامش، أن يُنتظر فقط حين تضيق الخيارات.
هناك من تُعلَّق صورته في الذاكرة لا لأنها الأجمل، بل لأنها “الأضمن”.
ذاك النوع من الحب الذي لا يُطلب علنًا، ولا يُنسى تمامًا، فقط يُركَن مؤقتًا مثل كتاب مفضّل نقرأه حين تضيق الحياة.
“على الرف” ليست مجرد عبارة
الرف ليس مكانًا ماديًا فقط، إنه موقف نفسي.
حين يُقرّر أحدهم أن يضعك على الرف، فهو في الحقيقة يُخزِّنك عاطفيًا ليستخدمك حين يحتاج الدفء، أو الاعتراف، أو الحنان.
وفي المقابل، أنت تبقى هناك لأنك تخاف أن تُنسى تمامًا.
إنها علاقة غير مكتملة، يَحكمها الخوف من الفقد لا الرغبة في الوجود، وتغذيها عبارات مُضلِّلة تُشبه الحب لكنها في جوهرها “ملف انتظار”.
الطمأنينة الزائفة
كثيرون يبررون بقاءهم في هذا الدور قائلين: “على الأقل أنا موجود في حياته.”
لكن الوجود بهذه الصورة ليس وجودًا، بل بقاء مشروطًا بغياب الآخرين.
إنه أشبه بعلاقة عمل احتياطية: تُستدعى وقت الطوارئ، وتُنسى فور انتهاء الأزمة.
ومع الوقت، يتحوّل الانتظار إلى عادة، ويغدو الحنين طقسًا يوميًا لمكانٍ لا يُفتح بابه إلا عند الضرورة.
الحرية من رفّ العاطفة
التحرر من هذا الدور لا يعني القسوة، بل احترام الذات.
أن تقول “لا” لمن يذكرك فقط عندما يفرغ جدول مشاعره، هو أول خطوة نحو استعادة كرامتك العاطفية.
ليس كل غياب يعني الهروب، أحيانًا الغياب هو إعلان بقاءٍ مختلف — بقاءٍ في الكرامة لا في الظل.
الحب الحقيقي لا يُخزَّن، ولا يُؤجل، ولا يُستدعى بالطلب.
الحب حضور مستمر، لا يعتمد على الحاجة، بل على الرغبة الصادقة في المشاركة.
الذين يضعونك على الرف لا يريدون خسارتك، لكنهم أيضًا لا يريدون امتلاكك تمامًا.
أما الذين يختارون الرحيل من هذا الرف، فهم وحدهم من يفهمون أن الكرامة لا تحتمل الانتظار.
فالحب إن لم يكن مشاركةً كاملة، فهو عبودية مؤقتة لذكرى جميلة.
وفي النهاية، ليس أصعب من أن تكتشف أنك لم تكن جواه… بل فقط حواليه، على رفٍّ بارد اسمه “الضمان العاطفي”.





