
دخلت الاحتجاجات المتواصلة في إيران مرحلة جديدة من التصعيد الحاد، مع انتقال السلطات من خطاب الاحتواء والتحذير إلى نهج أمني مباشر، تجلّى في دعوة رسمية أطلقتها وزارة الاستخبارات الإيرانية تطالب فيها المواطنين بالإبلاغ عن من وصفتهم بـ«المخربين والإرهابيين المرتزقة» المرتبطين بالولايات المتحدة وإسرائيل. وجاء هذا التطور في وقت تتسع فيه رقعة الاحتجاجات جغرافيًا، وتزداد حدتها ميدانيًا، وسط حالة احتقان غير مسبوقة تشهدها الشوارع الإيرانية منذ سنوات.
ويعكس هذا التحول الرسمي إدراكًا متزايدًا داخل مؤسسات الحكم في طهران بأن موجة الغضب الحالية تجاوزت إطار الاحتجاجات المطلبية المحدودة، لتتحول إلى تحدٍ سياسي وأمني متكامل، يحمل في طياته أبعادًا داخلية وخارجية متشابكة.
نداء وزارة الاستخبارات: تعبئة أمنية بغطاء شعبي
في بيان رسمي صدر مساء الجمعة، دعت وزارة الاستخبارات الإيرانية عموم المواطنين إلى «التعرف على المرتزقة التابعين للولايات المتحدة والكيان الصهيوني» والإبلاغ عنهم عبر قنوات الاتصال التابعة للوزارة ومنظمة استخبارات الحرس الثوري. وادعت الوزارة أن هؤلاء الأشخاص نفذوا، ليلة الخميس، عمليات إطلاق نار متعددة في مناطق مختلفة، بهدف «إيقاع قتلى ونشر الفوضى وبث الرعب بين المواطنين».
البيان، الذي حمل لهجة تصعيدية واضحة، مثّل نقطة تحول في إدارة الأزمة، إذ لم تكتفِ السلطات فيه باتهام جهات خارجية بالتحريض، بل انتقلت إلى إشراك المجتمع نفسه في العملية الأمنية، في خطوة يرى مراقبون أنها تهدف إلى خلق حالة تعبئة شعبية مضادة للاحتجاجات، وإعادة إنتاج خطاب «العدو الخارجي» كإطار تفسيري للأحداث.
ويرى محللون أن هذا النداء يعكس قلقًا رسميًا من فقدان السيطرة الميدانية، خصوصًا مع اتساع رقعة التظاهر، وصعوبة ضبط التحركات الليلية المتفرقة التي باتت تشكل سمة بارزة للاحتجاجات الأخيرة.

خامنئي يدخل على الخط: تحذير مباشر وتشدد في الموقف
التصعيد الأمني لم يأتِ بمعزل عن الغطاء السياسي الأعلى في البلاد. فقد وجّه المرشد الإيراني علي خامنئي، في ثاني خطاب له منذ اندلاع الاحتجاجات، تحذيرًا صريحًا مما وصفهم بـ«المرتزقة الذين يعملون لصالح الأجانب»، مؤكدًا أن السلطات «لن تتسامح معهم تحت أي ظرف».
خطاب خامنئي، الذي جاء بعد أيام من صمت نسبي، حمل دلالات متعددة. فمن جهة، أعاد التأكيد على الرواية الرسمية التي تربط الاحتجاجات بتدخلات خارجية، ومن جهة أخرى، منح الأجهزة الأمنية تفويضًا ضمنيًا لتشديد قبضتها، في رسالة واضحة مفادها أن النظام يعتبر ما يجري تهديدًا وجوديًا، وليس مجرد أزمة اقتصادية أو اجتماعية عابرة.
ويرى متابعون أن تدخل المرشد في هذا التوقيت يعكس إدراكًا بخطورة المرحلة، خصوصًا مع تزايد الأصوات المنتقدة داخل الشارع، وتراجع فعالية الخطاب التقليدي الذي اعتادت السلطة استخدامه لاحتواء الأزمات السابقة.
الحرس الثوري: «إحباط مخطط العدو بالكامل»
بالتوازي مع تصريحات المرشد، أعلن جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني «إحباط مخطط العدو بالكامل»، مؤكدًا أنه يواصل جهوده «لحماية أمن المواطنين وضمان استقرار البلاد» في ظل التطورات المتسارعة.
ورغم عدم تقديم تفاصيل دقيقة حول طبيعة هذا «المخطط»، فإن البيان يأتي في سياق تصعيد متبادل بين الشارع والسلطة، ويعكس رغبة المؤسسة العسكرية – الأمنية في الظهور بمظهر الجهة القادرة على الإمساك بزمام الأمور، ومنع انزلاق البلاد إلى سيناريوهات أكثر خطورة.
ويشير محللون إلى أن الحرس الثوري، بوصفه أحد أعمدة النظام، يلعب دورًا محوريًا في إدارة الأزمة، سواء عبر العمليات الميدانية، أو من خلال الحرب الإعلامية التي تستهدف نزع الشرعية عن الاحتجاجات وتصويرها كجزء من مؤامرة خارجية.
جذور الاحتجاجات: الاقتصاد يشعل الشرارة
على الرغم من الخطاب الرسمي الذي يركز على «العوامل الخارجية»، فإن الشرارة الأولى للاحتجاجات انطلقت من رحم أزمة اقتصادية خانقة. فقد بدأت التحركات في 28 ديسمبر الماضي، عقب إضراب نفذه تجار في بازار طهران، احتجاجًا على التدهور الحاد في سعر صرف العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وسرعان ما تحولت تلك التحركات من تجمعات محدودة داخل الأسواق إلى احتجاجات أوسع في الشوارع، اتسمت بطابع ليلي لتفادي القمع المباشر، ومعها لجأت السلطات إلى قطع الإنترنت عن معظم أنحاء البلاد، في محاولة للحد من انتشار الدعوات للتظاهر وتداول مقاطع الفيديو.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الأزمة الحالية تمثل نتاجًا لتراكمات طويلة من العقوبات الدولية، وسوء الإدارة الاقتصادية، وتراجع عائدات النفط، وهو ما جعل قطاعات واسعة من المجتمع تشعر بأن الأعباء المعيشية تجاوزت حدود الاحتمال.

مشاهد من الشارع: طهران ومدن أخرى على صفيح ساخن
ميدانيًا، أظهرت مقاطع فيديو تحققت منها وكالة فرانس برس تجمعات حاشدة مساء الخميس في شارع كاشاني بالعاصمة طهران، حيث ترددت أبواق سيارات مؤيدة للمحتجين، في مشهد يعكس حالة تعاطف شعبي متزايدة مع التحركات.
كما شهد شارع دولت شمالي العاصمة تحركات مماثلة، إلى جانب مناطق أخرى داخل طهران، في دلالة على اتساع رقعة الاحتجاجات داخل المدينة التي تُعد قلب السلطة السياسية والاقتصادية في البلاد.
ولم تقتصر الاحتجاجات على العاصمة، بل امتدت إلى مدن عدة، من بينها تبريز في الشمال الغربي، ومشهد ثاني أكبر مدن البلاد في الشمال الشرقي، إضافة إلى مناطق في غرب إيران حيث تتركز الأقلية الكردية، ما يثير مخاوف رسمية من تداخل البعد الاجتماعي مع حساسيات قومية قائمة.
أعمال عنف وحرائق: تصعيد متبادل
في تطور لافت، أظهرت مقاطع متداولة إضرام محتجين النار في بهو مبنى التلفزيون الرسمي بمدينة أصفهان وسط البلاد، وهو ما يحمل دلالة رمزية قوية، باعتبار الإعلام الرسمي أحد أبرز أدوات السلطة.
كما اندلعت حرائق في مبنى المحافظة بمدينة شازند، مع تجمع محتجين خارج الموقع، في مشاهد تعكس انتقال بعض التحركات من الطابع السلمي إلى أعمال عنف وتخريب، سواء بدافع الغضب أو كرد فعل على القمع.
وفي المقابل، حرص التلفزيون الرسمي على بث صور تُظهر الأضرار التي قال إنها نجمت عن الأحداث، مشيرًا إلى إحراق أكثر من 42 حافلة ومركبة عامة وسيارات إسعاف، إضافة إلى 10 مبانٍ عامة، وفق تصريحات رئيس بلدية طهران.
تظاهرات مضادة: استعراض للقوة الشعبية
في محاولة لإظهار أن النظام لا يزال يتمتع بقاعدة شعبية، بث التلفزيون الرسمي، يوم الجمعة، مشاهد لآلاف المشاركين في تظاهرات مضادة مؤيدة للسلطات في عدد من المدن.
وتأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية تقليدية تعتمدها السلطات الإيرانية خلال الأزمات، تقوم على تنظيم مسيرات دعم لإرسال رسالة مفادها أن الاحتجاجات لا تمثل «الإرادة العامة»، وأن الشارع منقسم، وليس موحدًا ضد النظام.
البعد الدولي: تحذير أمريكي يرفع منسوب التوتر
على الصعيد الدولي، دخلت الأزمة منعطفًا جديدًا مع تحذير أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أشار فيه إلى احتمال توجيه هجمات إلى إيران في حال «تم قتل المتظاهرين».
هذا التصريح، الذي أضفى بعدًا دوليًا مباشرًا على الأحداث، أثار ردود فعل متباينة، بين من اعتبره محاولة لاستغلال الأزمة داخليًا، ومن رأى فيه عامل ضغط إضافيًا قد يدفع السلطات الإيرانية إلى مزيد من التشدد.
ويرى مراقبون أن إدخال العامل الأمريكي على خط الأزمة يزيد من تعقيد المشهد، ويمنح الرواية الرسمية حول «التدخل الخارجي» مادة إضافية، في الوقت الذي قد يرفع فيه كلفة أي تصعيد أمني واسع النطاق.

إلى أين تتجه الأزمة؟
مع استمرار الاحتجاجات، وتصلب المواقف الرسمية، تبدو إيران أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح السلطات في احتواء الغضب عبر مزيج من القمع والتنازلات المحدودة، أو أن تدخل البلاد في دوامة تصعيد مفتوحة، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية.
وفي ظل غياب مؤشرات واضحة على حوار حقيقي أو إصلاحات جوهرية، تبقى الشوارع الإيرانية مرشحة لمزيد من الغليان، بينما يترقب الداخل والخارج تطورات أزمة قد تعيد رسم ملامح المشهد السياسي في البلاد خلال المرحلة المقبلة.




