
بقلم/ خالد النعيمي
في عالم السياسة، لا يكفي أن تكون على حق كي تنتصر، ولا يكفي أن تملك الشرعية كي تُحترم. فنزويلا كانت مثالًا صارخًا على هذه الحقيقة القاسية؛ دولة لم تشهد انقلابًا من داخل مؤسساتها، ولم يسقط رئيسها بخيانة وزير أو طموح قريب أو سذاجة سياسي، ومع ذلك سقطت سيادتها.
ما جرى لم يكن نتيجة خلل داخلي بقدر ما كان نتيجة خلل في ميزان القوة. دول راقبت بصمت، ومؤسسات دولية اكتفت بالتصريحات، بينما فُتحت الأبواب أمام تدخل مباشر تجاوز كل الأعراف، وانتهى باختطاف رئيس دولة وزوجته، في مشهد لم يعد يثير الدهشة بقدر ما يكرّس الاعتياد.
إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لما جرى لم يكن زلة لسان، بل تأكيدًا على منطق قديم يتجدد:
حين تتعارض المصالح مع القيم، تسقط القيم أولًا.
هذا المشهد يجب أن يُقرأ عربيًا بجدية لا بعاطفة.
فمنطقتنا تعجّ بأصوات سياسية تتقن الخطابة أكثر مما تتقن الحساب، وبمحللين يظنون أن الظهور الإعلامي يمكن أن يعوّض غياب الأدوات، وبقادة يعتقدون أن التاريخ يُستدعى بمجرد استدعاء شعاراته.
السياسة ليست حلبة شعارات، بل ساحة قوة.
ومن يختار أن يشتبك مع القوى الكبرى دون اقتصاد صلب، أو مؤسسات متماسكة، أو تحالفات مدروسة، فإنه لا يمارس شجاعة، بل مقامرة.
الدرس الأوضح من فنزويلا – ومن غيرها – أن السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع وتُحمى.
وأن اللعب على حافة التحدي دون امتلاك أوراق حقيقية، ينتهي غالبًا بفقدان الأرض لا بكسب التعاطف.
في زمن اختلال الموازين، لا مكان للحياد الساذج، ولا للخطاب المنفصل عن الواقع.
إما أن تفهم قواعد اللعبة، أو تُفرض عليك… وأنت الخاسر.
في السياسة، كما في الحياة،
الواقع لا يرحم من يصدّق الشعارات أكثر مما يصدّق الأرقام.
والواقع… دائمًا، أقوى من المواقع.




